وصلت الأسلمة سقفها والبديل يتعثر

منذ الهزيمة في حلب وما كشفته من واقع الفصائل وتفرّقها، وارتباط العديد منها بالدول والجهات الممولة، وإيقاف الدعم من قبل جهات الـ (موك) والـ (موم)، خاصة الولايات المتحدة، يمكن القول -بواقعية- إن مسارًا آخر للثورة أخذ يقرع الرؤوس ويلقي بنفسه بقوة، بأمل أن يتبلور في ترجمات جديدة تعبّر عن روح الثورة وجوهرها.

خاصية الثورة السورية، سرّ انتشارها وتغلبها على التعقيدات الكثيرة التي فرضت أنها شعبية وسلمية وثورة حرية وكرامة وعدالة، ولسورية بكل تنوعها، وهي بالتالي ليست حكرًا على جهة ما، سياسية أو عقائدية، ولم تُحسب يومًا أنها حالة إسلامية تبغي إقامة دولة أو إمارة أو خلافة إسلامية، وقد شاركت فيها جموع شعبية وسياسية من مختلف المكوّنات، ومن ضمنهم المحسوبون على الطائفة العلوية، وشتى “الأقليات” الإسلامية، والمسيحيون بنسب ما، ثم بدأت الحواضن الأخرى تنزاح وتبتعد مع بروز أسلمة سياسية، وشعبوية متشابكة الخلفيات والأطروحات، يفتقر معظمها إلى وعي بطبيعة الثورة، وموقع الديمقراطية فيها، ثم ولادة وتوليد منظمات التشدد والإرهاب التي قدّمت أكبر الإساءة للثورة، وللدين الإسلامي بالذات.

ما من أحد لا يعرف موقع الدين الإسلامي بين السوريين، ودوره البارز في تشكيل الشخصية العربية عمومًا، ونسبته العالية في بلاد متنوعة الأعراق والديانات والمذاهب، وأيضًا إسهام المساجد وشعارات التحفيز في التظاهرات والحشد والتضحية، حين كانت التظاهرات تخرج من الجوامع، وشعارات الله أكبر يرددها جمهور غفير، بعضهم من غير المحسوبين على المتدينين أصلًا، ولا الإسلاميين.

لكن تطورات سريعة متلاحقة شدّت الثورة نحو نوع من بيت طاعة قسري، ليس لها، وقد تضافرت مجموعة عوامل وجهات في ذلك كي تحرف الثورة عن مسارها، وتحوّلها إلى حالة مذهبية تقع في ردّة فعل على عمليات التطييف والتشييع، ومشاريع إيران والنظام في خلق صراع بديل: الصراع الطائفي.

أغلب الدول التي أعلنت أنها مع الثورة وصديقة للشعب السوري، لم يكن من مصلحتها نجاح الثورة بما هي عليه، أي إسقاط نظام الاستبداد والأحادية والفئوية، وإقامة نظام مدني تعددي ديمقراطي يُطلق أسار الشعب السوري، ويتيح له ممارسة دوره الرائد في أمته وعلى صعيد المنطقة، كما كان حال سورية على مرّ وجودها، خاصة في مرحلة الديمقراطية التي عاشتها في الخمسينيات.

أكثر من ذلك، فإن نظامًا ديمقراطيًا في سورية يمكن أن يكون زلزالًا حقيقيًا في المنطقة، يودي بكل نظم الأحادية والاستبداد، مثلما أن “إسرائيل”، ومعها راعيتها الكبرى أميركا، تخشى قيام ذلك النظام، لذلك تواترت مجموعة أسباب ثقيلة لتسييج الثورة، ثم دفعها باتجاه أحادي مغاير لجوهرها، ولتطلعات الشعب السوري. هنا سنجد بصمات النظام الفئوي منذ البداية، وخبثه التراكمي في إيجاد حقل آخر تدفع الثورة إليه، وقد عبّرت بثينة شعبان، وبعدها رأس النظام، عن ذلك منذ الأيام الأولى للثورة بأنها فئوية، ومؤامرة خارجية. وكانت إيران حاضرة بقوة، وعبر مخطط مدروس، بدأ بالانزلاق نحو ردّة فعل على ممارسات النظام، وما كان يقوم به من فعل مدروس؛ فارتفعت أسهم “الحالة السنّية”، وانتشرت أفكار سنّية الثورة في مقابل الشيعة، ووُجدت في صفوفها ومواقع قيادية فيها وجوهٌ إسلامية عديدة، وشخصيات تمارس السياسة في أحزاب إسلامية، أو مشيخية تتحدث عن أهل السنة والجماعة كحالة مستقلة ومستهدفة، والدفع بقوة من قبل دول إقليمية، لنشر الفكر السلفي والجهادي والسني، وإقامة كتائب مسلحة على هذا الأساس، وتوجيه ضربات متلاحقة لفصائل الجيش الحر وللضباط المنشقين، وبروز قيادات فصائلية لا علاقة لها بالعمل العسكري، وفيها الكثير من سويات متدنية في مرتبتها الاجتماعية، ووعيها، وبعضها تحوّل إلى أمراء حرب من مصلحته ديمومة التشتت، وتكريس هذا الوعي المشوّه والساذج.

هذه التطورات قادت إلى تعميم الأسلمة بكل أنواعها، وفي الوقت نفسه ظل الصراع مفتوحًا بينها، وصولًا إلى الاقتتال، وإلى التناقض في التفسير، والنهج، والمحاكم الشرعية التي فرضت بديلًا للمحاكم العادية التي يتولى أمرَها قضاة مختصون، وليس بعض من نصّب نفسه في موقع الأمير والفقيه.

وللمناسبة فحركة الإخوان المسلمين التي طرحت عام 2012 وثيقة عهد متطورة، أعلنت فيها الالتزام بالدولة المدنية الديمقراطية، سكتت طويلًا على تلك التحولات الإسلاموية، وكثيرًا ما اعتبرتها نتاجًا إيجابيًا يخدمها، ويصبّ في مشروعها الاستراتيجي: إقامة الخلافة، أو الحكم الإسلامي.

ودون الحاجة إلى التذكير بموقع تلك التحولات من مواقف الشعوب العربية، والأوروبية، والدول الغربية على العموم التي راحت تقيم موازنة بين هذا الوجود وبين النظام، فترجّح بقاء النظام لعوامل كثيرة، في مقدمها الخوف من أن تفرّخ الأسلمة مزيدًا من المنظمات الإرهابية، وأن تغتال الديمقراطية، وكان لذلك أثره في تراجع التأييد على الصعيدين الرسمي والشعبي.

بلغت الأسلمة سقفها، وسيطرت راياتها وأطروحاتها على أغلبية الفصائل المسلحة، فظهرت عوراتها المتعددة، البنيوية منها والوقائع على الأرض، وكانت حلب الكاشف والتحول، ثم بقية التطورات المتلاحقة في الساحة السورية، وفي أوضاع الثورة، ومحاولة إنهائها من هذه الأبواب، وإحكام الطوق على إعادتها إلى جذورها.

لكن ولادة البديل ليست بالسهولة النظرية المفترضة، ولا يمكن أن تتمّ بكبسة زر، فدون ذلك عقبات وظروف، وأوضاع، خاصة حال البديل المحسوب على التيار الديمقراطي أو العلماني أو الليبرالي المشتت، الذي يُعاني مزيدًا من الصراعات البينية، وموقع الأنا والذات، وعدم وجود تيار موحد قوي، رغم وجود مئات التشكيلات التي تطرح شعارات الديمقراطية وتخليص الثورة مما لحق بها، ونشوء عشرات الغرف والأسماء الحوارية التي تتناقش من سنوات في الموضوعات ذاتها، وفي البدائل وإنهاضها من دون أن تجد تجسيدها. أكثر من ذلك هناك الكثير من القيء، والتكرار، وعدم الواقعية عند البعض، والدوران في حلقات مفرغة لم تثمر حتى الآن ولادة بمستوى الضرورات.

تراجع الأسلمة السياسية لا يعني استئصال الحركات الإسلامية، ولا إبعادها عن المشاركة، بل إن وجود جميع أطياف الشعب وتياراته ضرورةٌ لا يستطيع أحد تجاوزها؛ ذلك أن التطورات والتحديات تدعو إلى اصطفافات واسعة في خندق الوطنية السورية، وخط الثورة، لكن على أساس الرؤية السياسية التي كرستها، وجوهرها أنها ثورة الشعب السوري كافة، وأنها ثورة التغيير لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التعددية التي يتساوى فيها الجميع على أساس المواطنة، ووفق دستور عصري يكرّس الحقوق والواجبات والعلاقات.

سيأخذ البديل وقتًا، وستواجهه كثير من الصعوبات والعراقيل، لكنه الخيار الوحيد للعودة بالثورة إلى مسارها الطبيعي، ومواجهة التحديات، وتحقيق الانتصار.