تحقيقات وتقارير سياسية

مستقبل المعارضة السورية على ضوء الاستقالات

الاستقالة الجماعية التي أعلن عنها ثلاثة قياديين من الائتلاف الوطني السوري المعارض، هم سهير أتاسي وجورج صبرا وخالد خوجة، تفتح سؤالنا المشروع: هل وصلنا إلى طريق مسدود، في مسار الثورة السورية التي قيل في بعض البيانات للمستقيلين إنها “خروج الائتلاف عن مساره الثوري”؟

سؤال مهم في عتمة الأخطاء الحثيثة، نحو انهيار متاريس السوريين المراقبين لأداء بعض ممثليهم من القوى “العسكرية” التي تهافت بعضها على الغدر بتضحيات السوريين، وإبرام اتفاقات مخجلة مع النظام، لتسليمه قطاعات واسعة من مناطق سيطرتها، أما القوى السياسية المتخبطة أصلًا، والمرتبكة في مرحلة إرضاع المجتمع الدولي للنظام السوري حُقن الإمداد المختلفة، من التخاذل إلى الضغط على ما تبقى من الثورة السورية.

ما الذي تعنيه الاستقالات؟ في معرض الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التأكيد أن الاستقالات حالة صحية لا مرَضية. في التحولات العميقة التي يعيشها الشعب السوري وثورته ونخبه التي عبّر بعضها عن ذاته بطريقة مضطربة، يمكن معها القول إن المجتمع السوري وصل إلى مرحلة مصيرية، يحتاج فيها إلى بدائل وطنية تُحسن إدارة المعركة بصورة جيدة، تستخدم فيها تكتيكات وتحالفات على نحو منطقي وواقعي، بعيدًا من التضخم والوصاية المرضية التي مورست على تشكيلات قوى المعارضة المختلفة.

غني عن القول أن أخطاء المعارضة لم تقتصر على بنيتها القيادية والتنظيمية، بالخروج عن “المسار الثوري” الذي قصده المستقيلون، بل حدثت -وما تزال تحدث- في كثير من المواقع التي حققت فيها المعارضة تقدّمًا كاسحًا، حيث امتنعت حتى الآن تلك القوى عن تقديم صورتها المنسجمة مع المجتمع السوري، بحيث ظهر الجسم السياسي للمعارضة منفصلًا تمامًا عن الجسم العسكري، وللأسف، هذا بحد ذاته كان -ولم يزل- مؤشرًا مهمًا لا يوحي بكثير من الثقة، لدى الشارع السوري الذي ينظر بدوره أيضًا إلى الاستقالات على أن هذه القوى قادرة على التقاط الفرصة المتاحة، لملء أي فراغ سياسي ناجم عن تخلي بعض القيادات عن مواقعها والانتقال إلى مواقع أخرى، من أجل تفعيلها حسب شروط الصراع  القائمة مع النظام.

من تلك الشروط، تجديد فاعلية الهيئات القيادية، فالسوري يريد وطنًا حرًا مزدهرًا عادلًا مستقلًا، والاستقلال هنا يعني زوال الاحتلالَين الإيراني والروسي، والاستقلال يعني أيضًا انتفاء أي تبعية سياسية ومالية وعسكرية، فرضت أجنداتها على مسار الثورة التي أُبعدت روحُها الغنية، بما لا يليق وتضحيات السوريين في القرن الحادي والعشرين.

وبما أننا نعيش هذه الأيام، على وقع مذابح جديدة، وسيطرة مستمرة لعصابات النظام على مناطق كثيرة من سورية، ومن الواضح أن الأوساط الدولية والإقليمية المهتمة والنخب السياسية منشغلة بالبحث عن إجابات للعديد من الأسئلة التي يمكن أن تُجيب على التحديات التي تجابه الثورة السورية، على ضوء سيطرة النظام، والخلل الكبير في موازين القوى، وبما أن كل شيء يُنجز دون عدالة وحرية السوريين؛ فإن كل الإنجازات تبقى عرضة للانهيار في أي لحظة ثورية قادمة.

إذا كانت هذه الاستقالات تعبيرًا عن خلل أو أزمة؛ فهي حالة صحّية، لكن لن يكتمل شفاؤها، من دون مواجهة مكامن الخلل وتقديم الرؤى والإرشادات حولها؛ إذ لا يكفي التعاطي مع السوريين ببيان استقالة، دون تقديم شرح خارج إطار الجُمل الدبلوماسية، فمن حق السوريين الانتفاع من هوامش الحرية الممنوحة لممثليهم خارج منظومة الاستبداد. وعلى ذلك؛ فإن كل خطوة في عملية تجديد التمثيل السياسي للسوريين تعني إيمانهم بخطهم السياسي القائم على انتزاع حريتهم من قبضة الطاغية، بالضغط مجددًا على المجتمع الدولي للقبول بسورية من دون الأسد، كما تعني الإيمان بالسوريين وقدرتهم على قيادة أنفسهم من دون الطاغية ووظيفته التي أثقلت بلدًا ودمّرت مجتمعًا، وهي تكفي لأن يستقيل كل دعاة السياسة والإنسانية، فما بالنا بمن حمل وزر كثير من أثقال السياسة السورية في ظل الثورة، فهل تتعظ مدرسة الطاغية من أصغر دروس الاستقالة، بدل الادعاء أن الاستقالة هي أحد انتصاراتها، دون أن تُدرك هذه المدرسة أن الثورة مستمرة لملايين الأسباب التي ابتكرتها مدرسة السفاح!

Author

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق