مقالات الرأي

الذهنية الخرافية وتحمّل المسؤوليات

العقلية القدرية، والنزعة الرغبوية، والسلوكية الاتكالية، هي مصطلحات ثلاث ربما تكون صالحة لتفسير ما جرى حتى الآن، ضمن إطار الهيئات والفصائل السورية المناهضة لاستبداد وفساد حكم بشار الأسد. وهي التي بدأت بوصفها تعبر عن أهداف الثورة وتوجهاتها، وانتهت لتمثّل المعارضة بمنصاتها ومحاورها الإقليمية المختلفة.

فقد كان الاعتقاد السائد، نتيجة القراءة الخاطئة لطبيعة تحولات المنطقة وخلفياتها، وتفاعلاتها مع المناخ الدولي وتوجهاته، هو أن النظام سيسقط، وأن المسألة هي مسألة وقت، فالأمور قد باتت محسومة، وفق الاعتقاد ذاك، ولا تحتاج إلى جهد ذاتي كبير فاعل، وتحمّل كامل أعباء العمل ومسؤولياته. وغالبًا ما كانت التفسيرات الرغبوية هي التي تُعتمد لدى التعامل مع بواعث أي تصريح، ودلالاته المسكوت عنها.

كان الاعتقاد المهيمن هو أن الآخرين سينجزون المهمة، وسيساعدون، انطلاقًا من مصالحهم، السوريين، وينقذونهم من مظالم نظام أرهقهم وأرهق المنطقة بسلوكياته التي زعزعت الأمن والاستقرار الإقليميين، وبصورة خاصة بعد تحالفه العضوي مع النظام الإيراني الذي سرعان ما تمكّن من التغلغل إلى مفاصل دول ومجتمعات المنطقة؛ بعد سلسلة عمليات استثماراتية امتدت على مدى عقود، وكان كل ذلك ينسجم، وفق التحليل المعتمد، مع مصالح الدول التي أعلنت وقوفها إلى جانب الشعب السوري في مواجهة النظام.

ما ترتب على هذا الموقف هو التعامل القدري غير الفاعل مع الجهود الدولية التي استهدفت تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وذلك بعد أن تبين للمعنيين صعوبة تمرير الأجندات المطلوبة عبر المجلس الوطني السوري الذي تشكل، بصرف النظر عن كل الثغرات والمثالب، بإرادة السوريين، وبفعل مناقشاتهم الداخلية واتصالاتهم. وقد تمّ القبول به من قبل الثائرين على حكم بشار في مختلف أنحاء البلاد عبر التظاهرات والإعلانات الواضحة الصريحة التي كانت تقول: المجلس الوطني يمثلني.

أما الائتلاف، فقد تشكل، كما نعلم جميعًا، بإرادة دولية، وتمّ توسيعه وهندسته وفق الحسابات الإقليمية والدولية. ولعلّ هذا ما يفسر وجود تلك الكتل الهلامية التي اقتصر دورها على ضبط موازين التصويت، لتأتي ملبية لمقتضيات المرغوب المبرمج.

أما العمل العسكري فقد كان باستمرار بمثابة الثقب الأسود بالنسبة إلى الهيئات السياسية، خاصة في مرحلة الائتلاف، وتشكيل هيئة الأركان. ولعل قرارات الإقالات المتكررة المفاجئة لأولئك الذين كانوا في المركز القيادية ضمن العمل العسكري، أو تلك التي كانت ذات علاقة بتغيير ممثلي الأركان في الائتلاف، تعكس إلى حد بعيد حالة التخبط التي كانت، وأدت بتراكماتها إلى المزيد من الخلافات، وحتى الصراعات داخل الجسم العسكري الذي غدا في واقع الأمر أجسامًا مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بتوجيهات، إن لم نقل، بأوامر الممولين والرعاة، هذا مع احترامنا الكامل لكل التضحيات البطولية التي كانت من جانب عناصر معظم الفصائل. ولكن المشكلة كانت، وما زالت، تتمثل في القيادات التي أخفقت في بلوغ الضروري من المطلوب الوطني.

وفي ظل أجواء تراجع دور العامل الذاتي الوطني السوري، وذلك بفعل الخلافات البينية، واستمرار هيمنة النزعة الاتكالية التواكلية، جاء مؤتمر الرياض الأول في كانون الأول/ ديسمبر 2015، فاستبشرنا خيرًا، على أمل أن تكون هناك إرادة عربية وإقليمية ودولية لمساعدة الشعب السوري حتى يتجاوز المحنة. ولكن الذي تبيّن لاحقًا هو وجود تعارض صارخ بين طلبات الفاعلين الدوليين والإقليميين من جهة، وتطلعات السوريين من جهة ثانية، وما أسهم في ذلك بصورة أساسية هو واقع انكماش الدور الأميركي، مقابل حالة الاندفاع في الموقف الروسي الخاص بالملف السوري.

بالتوافق مع هذا المنحى، شهدنا بروز المنصات هنا وهناك، كما لاحظنا تضخيمًا، مثيرًا للجدل، لدورها، وإصرارًا على دمجها مع هيئة التفاوض ووفدها. ولم يكن ذلك ممكنًا من دون إبعاد “المزعجين” المتشددين وطنيًا الذين لم يخفِ لافروف فرحته بإبعادهم، وطالب بإبعاد المتبقين. فكان اجتماع (رياض 2) تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. وقبله كان مسار أستانا الذي تجسدت حصيلته في تجريد الفصائل من أسلحتها في مختلف المناطق تحت شعار خفض التوتر أو التصعيد، وما نجم عن ذلك من تدمير وتفكيك وترحيل في منطقة الغوطة على وجه التحديد. وفي السياق ذاته، كان موضوع عفرين بتعقيداته ومآلاته التي لم تسجل قط في صالح الفصائل المسلحة التي كانت جزءًا من العملية التركية في المنطقة.

كل هذه الوقائع، وغيرها، تؤكد أن المشكلة المحورية الأساسية التي نعاني منها منذ البداية حتى الآن، تتمثل في عدم وجود قيادة متماسكة تمتلك القرار السياسي والعسكري في الوقت ذاته. قيادة قادرة على وضع الاستراتيجية، وتهيئة الخطط التكتيكية، وتوزيع المهام والأدوار، لتكون متكاملة مع الاستراتيجية العامة. هذا إلى جانب ضرورة إيجاد آلية واضحة واقعية للمساءلة والمحاسبة، والتقييم الموضوعي البنّاء. وهذا كله لا يمكن بلوغه من دون امتلاك القرار الوطني المستقل، والتعامل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية من موقع الحرص على المصلحة الوطنية السورية أولًا، مع أخذ مصالح وهواجس وحسابات الأطراف المعنية بعين الاعتبار.

أما أن نتحوّل إلى أدوات في لعبة تصفية الحسابات الدولية، فهذا معناه المزيد من التشتّت، والاتهامات المتبادلة، لا سيما أن المؤشرات لا توحي حتى الآن بإمكانية حدوث توافق إقليمي – دولي حول معالجة الملف السوري، ولو على أساس احترام الحد الأدنى من تطلعات وتضحيات السوريين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق