سورية الآن

سوريا.. وحدود الصراع الأميركي – الروسي

أيا كانت الرسالة التي كانت الولايات المتحدة تأمل في إرسالها إلى روسيا من خلال الهجمة الصاروخية المدبرة بعناية التي شنتها يوم الجمعة على مواقع «الحرب الكيمائية المزعومة في سوريا، إلا أنها لم تغير أي شيء في تفكير الكرملين. فلا تزال موسكو مقتنعة بأن الولايات المتحدة ليست لديها خطة متماسكة بالنسبة للمرحلة الأخيرة من وجودها في سوريا، كما أن احتلالها المستمر لنحو ثلث الأراضي السورية، جنبا إلى جنب مع حلفائها، ليس له غرض سوى القيام بدور المفسد، بحسب ما يرى محللون. وفي أعقاب الهجمات الصاروخية، ستواصل موسكو دعم الحملة العسكرية الناجحة بشكل متزايد لإعادة سوريا بأكملها تحت سيطرة حكومة بشار الأسد المركزية.
ولكن في حين أن روسيا تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها متعدية على المنطقة عسكرياً، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مساعدة واشنطن في إنهاء الصراع من خلال الدبلوماسية. والكرملين يسعى إلى عملية سلام تستثني الولايات المتحدة وحلفاءها، والتي بدأها مع إيران وتركيا العام الماضي، غير أن الخبراء يقولون إنها متعثرة. ومن المرجح أن هذا يعني أن العودة إلى عملية جنيف السابقة، التي تشمل الغرب بشكل مباشر، سيكون ضروريا. يقول فلاديمير سوتنيكوف، وهو خبير مستقل في شؤون الشرق الأوسط «أصبح من الواضح أنه لا يمكن أن تكون هناك تسوية قابلة للتطبيق بالنسبة لسوريا من دون اتفاق مباشر وتعاون بين الولايات المتحدة وروسيا». ويرى المحللون أن موسكو كانت جادة عندما أشارت إلى أنها سترد بضرب السفن الحربية الأميركية في البحر المتوسط، أو أي منصات إطلاق إذا تعرضت الأرواح الروسية للخطر بسبب الصواريخ الأميركية. ولكن على الرغم من تغريدات دونالد ترامب – «استعدّي يا روسيا، لأنهم سيأتون» – يقول المحللون إن تبادل التصريحات المتفجرة الأسبوع قبل الماضي اتضح أنه في معظمه استعراضاً. وقال محللون على اتصال بالكرملين إن الولايات المتحدة والجيش الروسي هما فريقان «يتفاديان التضارب»، وإنهما ينسقان بهدوء على الأرض في سوريا، ويعملان معاً منذ شهور لضمان أن الدفاعات الجوية الروسية سيتم إيقافها في تلك الليلة، وأن مسارات صواريخ الكروز لن تقترب من أي روسي.
يقول «بافيل زولوتاريف»، نائب مدير المعهد الرسمي للدراسات الأميركية –الكندية (اسكاران) «إن رد فعل روسيا الرسمي هو التنديد بهذه الضربات باعتبارها خطأ وغير قانونية». واستطرد «لقد جاءوا قبل أن يبدأ فريق من المفتشين من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية عمله في موقع هجوم الأسلحة الكيميائية المزعوم في دوماً. وحقيقة أن القادة الأميركيين لم يكونوا مستعدين لانتظار المفتشين للقيام بعملهم تشير إلى أنهم كانوا يريدون إصدار بيان عسكري، ولم يكونوا يريدون التغطية عليه بما قد يعثر عليه المفتشون، ولحسن الحظ، فإن البنتاجون ووزارة الدفاع الروسية كانا على اتصال وثيق، وأكدا أنه لن تكون هناك تعقيدات. لذلك، فإن الضربات كانت غالباً ذات طابع سياسي ورمزي، بيد أنها أحدثت توترات جديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي كانت بالفعل سيئة للغاية». ويشير أحد كبار المسؤولين العسكريين الروس إلى أن موسكو ربما تمد سوريا بثاني أحدث نظام مضاد للطائرات، وهو نظام الصواريخ إس-300، لردع الضربات المستقبلية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. وضمن هذا الإطار يرى الجنرال سيرجي رودسكوي، من هيئة الأركان العامة الروسية (أنه مع الأخذ بعين الاعتبار الطلب الملح من بعض شركائنا الغربيين، فقد تخلينا قبل بضع سنوات عن إمداد سوريا بأنظمة الصواريخ إس-300. ونظراً للتطورات الأخيرة، فإننا نرى أنه من الممكن العودة إلى مناقشة تلك المسألة).
ويأتي هذا المصدر الجديد للتوترات وسط عاصفة متصاعدة من التوترات بين روسيا والغرب. فلا يزال هناك خلاف مع بريطانيا بسبب تدخل روسيا المزعوم في تسمم العميل المزدوج السابق «سيرجي سكريبال»، وابنته بغاز الأعصاب. وأدت الجولات المتبادلة من عمليات الطرد للدبلوماسيين إلى خفض البنية التحتية المادية للعلاقات إلى أدنى مستوياتها، ما ترك روسيا والولايات المتحدة على وجه الخصوص عاجزة تقريباً عن إجراء اتصالات طبيعية.
وطرحت الولايات المتحدة، التي فرضت في وقت سابق من هذا الشهر عقوبات على قائمة من الشخصيات الأوليجارية المرتبطة ببوتين، فكرة تقديم المزيد، برغم أن البيت الأبيض استبعد الفكرة في الوقت الحالي. فقد تسببت الجولة الأولى من العقوبات في تراجع الروبل واضطراب سوق الأسهم الروسية. وربما تضر الإجراءات الجديدة حتى الروس الأغنياء الذين لديهم نشاطاً في الغرب، ومما يدعو للمفارقة، تساعد الكرملين من خلال إجبارهم على جلب أموالهم إلى روسيا. ويبدو أن الضغط على رجال الأعمال القريبين من بوتين أملاً في إجباره على تغيير المسار يغفل عن حقيقة أن الإنجاز الرئيس لبوتين بعد وصوله إلى السلطة قبل نحو عقدين من الزمان هو استعادة السيادة للدولة. وقد تمت تجربته في الجولة الأولى من العقوبات ضد روسيا بعد ضم القرم قبل أربع سنوات لكنها لم تظهر أي نتائج.
وقال «سوتنيكوف»: «هناك مجالات للتعاون التجاري القوي بين الولايات المتحدة وروسيا، والمستمرة بالرغم من هذه التوترات، وسيكون من العار أن تتضرر». والسؤال الأكبر بشأن سوريا هو ما إذا كانت روسيا والولايات المتحدة بإمكانهما التعاون في نهاية اللعبة وجلب تسوية سياسية دائمة للحرب الأهلية الوحشية المستمرة منذ سبع سنوات. يقول الخبراء إن عملية آستانا التي تقودها روسيا لا تمضي على ما يرام.

(*) كاتب أميركي

مقالات ذات صلة

إغلاق