دبلوماسية التانغو

لم تسفر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الولايات المتحدة عن نتائج ملموسة حيال ملفات اتخذ فيها الرئيس دونالد ترامب قراراته (اتفاقية التغيير المناخي ورفع الرسوم الجمركية) أو سيتخذها قريبا (الاتفاق النووي الإيراني). لكنها دبلوماسية فن الممكن والمخاطبة وتدوير الزوايا في لحظة دولية حرجة تبرز فيها فرنسا بمثابة أفضل حليف لأميركا. لكن ليس من الأكيد أن ماكرون نجح في التأثير على دونالد ترامب أو في إدارة العلاقة السياسية معه أو التأقلم مع المزاج الترامبي في علاقة شخصية خاصة يصعب الرهان عليها.
لم يتردد الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند في تقييم زيارة خلفه إيمانويل ماكرون إلى واشنطن، واعتبر أن الغلبة كانت لدونالد ترامب من ناحية الشكل الممهد للمضمون. ربما تذكر هولاند مستشاره السابق ماكرون عندما نصحه يوما بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل عند رقصهما التانغو من أجل أن يبلور معها ميزان القوى لمصلحته. وبالفعل في مهرجان العناق واللمسات بالأيادي الذي شهدته زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى الولايات المتحدة، كانت فعلا “دبلوماسية التانغو” التي سعى فيها ترامب للبروز بمظهر أبوي وبمن يقود الثنائي بالشكل، لكن خطوات الطرفين كانت محسوبة في هذه “الرقصة” أمام رأيهما الداخلي والعالم. وإذا كان ماكرون قد ربح المبارزة الثقافية وإتقان فن التواصل خاصة في خطابه أمام الكونغرس أو في حواره مع طلاب جامعة جورج تاون، لكن ترامب بدا في المؤتمر الصحافي مع ماكرون رجلا للأعمال يغلب الأرقام على ألف باء الخطاب السياسي، وسيكون الأهم انتظار الخطوات اللاحقة لتلمس الحصاد السياسي للحملة الماكرونية خاصة موعد 12 مايو بخصوص الاتفاق النووي الإيراني.
مع اقتراب الذكرى الأولى لوصوله إلى قصر الإليزيه لم تكن حسابات السياسة المحلية غائبة عن هذا التكتيك الإعلامي في الاستعراض الأميركي، حيث بدا ماكرون وكأنه يحاول تجميع عناصر تسويق موقفه من خلال شبابه، وتكلمه بسهولة للغة الإنكليزية وصراحته غير المعهودة دبلوماسيا وتنميقه اللفظي، ما سمح له باكتساب هالة الضيف المثالي للبرامج الحوارية الأميركية، لكن الأهم يكمن في العمق وليس في المظهر إذ أن هناك حدودا غير واضحة بين الجرأة في الدفاع عن موقف، وبين افتراض التوصل إلى نتيجة. وأوضح مثال على ذلك الموقف المعلن من الصفقة النووية الإيرانية.
يدافع ماكرون عن اتفاق دفعت لإبرامه إدارة باراك أوباما وكان برأيه حلا وسطا مع طهران، بينما لا ينفك ترامب عن إدانته ويرجح أن يرفض تجديده في 12 مايو بالرغم من الوساطات الأوروبية وبعض العروض الإيرانية. وحسب مصدر متابع سيقوم ترامب بهذه الخطوة لأن حصاده متواضع جدا منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وهو بحاجة قبل انتخابات نصف الولاية أن يبدو متمسكاً بوعوده الانتخابية ومراعاة جمهوره والتركيز على “عظمة دوره القيادي وموقع أميركا”. للتغلب على الفجوة بين الموقفين الأميركي والفرنسي، وافق ماكرون وترامب على اقتراح التجاوز في البحث عن اتفاق جديد، مع كل الغموض الذي يميز هذا النوع من المسعى: يريد الرئيس الفرنسي بناء بيت جديد على الأسس الحالية، بينما يريد نظيره الأميركي هدم هذا البيت من دون قيود.
على صعيد أوسع، ستكون مسألة إعادة التفاوض محفوفة بالمخاطر لأنه يتوجب أن يقتنع ويأتي الآخرون من المعنيين أي روسيا والصين وحتى الاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة للإيرانيين فإنهم يعارضون ذلك، ومن الواضح أنه رغم تهويل حسن روحاني وعروض محمد جواد ظريف، يرفض صاحب القرار أي المرشد الأعلى أيّ تنازل ويعتبر البعض أن تقويض الاتفاق هو لمصلحتهم وذلك لترتيب البيت الداخلي ضد الاحتجاجات، ومن أجل رمي مسؤولية الفشل الاقتصادي على ترامب والغرب، ومن ضمن حملة التهافت للحفاظ على الاتفاق النووي يتم تمرير أخبار عن تشدد منتظر في حال الإلغاء وعن احتمال قيام حكومة من الحرس الثوري بديلا عن روحاني.
يمكن لماكرون أن يقول إنه وضع كل ثقله في أروقة السياسة الأميركية من أجل التوصل إلى اعتدال في مواقف ترامب في أكثر من ملف، نحو اعتماد مقارباته عن رفض الحرب التجارية بين الحلفاء وعن الدبلوماسية المتعددة الأطراف وعن المقاربة الشاملة لأوضاع الشرق الأوسط والدور الإيراني فيه. لكن التسويات المبتورة ستكون سيفا ذا حدين ويمكن أن تؤدي إلى اعتدال الموقف الأميركي ويمكن أن تشكل مفتاحا للتصعيد في عالم أكثر خطورة ومن دون رجال عظماء.

(*) كاتب  لبناني