قضايا المجتمع

أوصياء “المجتمع المدني” السوري

لم يعُد مستغربًا في الواقع السوري شيء؛ فعند الاختلاط يمكن التبرير ويصعب معه التحديد، وربما على آكلي “الطبخة” أن يتحملوا حصاها المشابه لعدسها عند ذلك! ولم يعد للدهشة أو الاستغراب من مكانٍ، أمام حجم الكوارث التي تحل بالسوريين من تهجير واستثمار وحرب وأدوات قتل سياسية وعسكرية منهجية، مترافقة مع تراجع آليات الحل أو التوقف عند خطوط حمر أو حتى برتقالية! فلا عجب أن تظهر بين الفينة والأخرى، مع كل مفصل متغير في سياق المارثون السوري الشاق، جملةٌ من المفاهيم أو المؤسسات تدسّ الحصى في وجبة السوري اليومية الباحث عن هويته ووجوده، ولربما وجوده الأنطولوجي الأول، بعد تعسر وجوده في دولة أو وطن!

لم تكن المرة الأولى التي يخرج بها بيانُ ما يسمى بـ “المجتمع المدني” السوري من بروكسل في 25/ 4/ 2018 عن هويته المدنية المفترضة لبوابة سياسية غير محددة الهوية أو العنوان! فإن كان الحديث اليوم يأخذنا إلى موقع مهم ومفصلي في وجدان السوريين، وبخاصة أولئك الباحثون بين طيات العنف السياسي والعسكري والديني، عن بوادر فعلية للمدنية والحقوقية التي حاولوا تحقيقها منذ بدء الثورة حتى اليوم، ليجد حمَلة لواء المواطنة والمدنية أنفسهم أمام جملة من المفاهيم المدنية السياسية المختلطة التي تفقد صفتها المدنية الأساسية، من حيث الحياد وممارسة دور الضاغط الإعلامي والمدني على تحقيق العدالة وشروط المواطنة عبر ممارسات فعلية للعمل المدني، من خلال مؤسسات فعلية وقائمة في الواقع، لا عبر أدوات عمل تتلظى بالمدنية قولًا، وتعمل بشروط سياسية ومنفعية موجهة فقط فعليًا.

البيان المشار إليه والخارج عن مؤتمر بروكسل، والذي شارك فيه العديد من الممثلين عن منظمات “المجتمع المدني” السوري المتشكلة بعد عام 2011، من قبيل (تماس) والمجلس الاستشاري للمرأة السورية الذي شكله دي ميستورا قبيل مباحثات جنيف 3 عام 2016، والمجتمع التعددي وغيره، مع تأكيده على الحل السياسي السوري وفق مرجعية (جنيف 1) وقرار مجلس الأمن 2254/2015، لا يحدد هويةَ ممارسي العنف ولا هوية المهجرين السوريين ولا ضحاياه، علميًا ونفسيًا ومدنيًا، بل يذهب باتجاه المجازفة السياسية، في ضرورة البدء بحل سياسي للمسألة التعليمية وقضايا اللاجئين، قبل تحقيق شروط جنيف التي استند إليها البيان أصلًا.

في الخلفية السياسية، مع تقدم وتعقد مسار الملف السوري؛ برزت إلى العلن خارطة الطريق للانتقال السياسي المرعية من الأمم المتحدة، والتي أقرّت بقرار مجلس الأمن 2254/2015 تبني مقررات مؤتمر جنيف في 30/ 7/ 2012 القاضية بتشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، وبدفع العملية السياسية التفاوضية، على أن يشكل المجتمع المدني ثلث المعادلة السياسية في مرحلة الانتقال السياسي، إضافة إلى نسبة ما لا يقل عن 30 بالمئة من أي هيئة سورية من النساء، لتبدو اللوحة وكأن سورية الجديدة، سورية الجمهورية الثالثة، على بوابة العصر الحديث! حتى بدأت كثير من منظمات العمل المدني بالتهافت على تشكيل منصاتها وتحالفاتها، للدخول في المعترك السياسي والحصول على حصة الثلث فيه، لتنضم كثير من المنظمات إلى تحالف منظمات المجتمع المدني السوري (تماس) المؤسَّس في بيروت عام 2014، والذي ظهرت تقارير كثيرة تفيد بوجود فساد مالي وإداري فيه وأدوات تحكم وهيمنة شخصية، من خلال متصدري الحركة ذوي العلاقات الوثيقة مع المانحين العالميين([1]). كما سعى دي ميستورا لتشكيل مجلسه الاستشاري من النسوية السوري، المجلس الذي لاقى كثيرًا من الاعتراض على آلية تشكيله ووظيفته السياسية، وطروحاته المواربة إزاء المسألة السورية وثورتها، واستثنائه للمشاركات الفعلية في العمل المدني السوري على أرض الواقع، كما فندته سميرة المسالمة وشبكة المرأة السورية([2])؛ ليترافق ذلك مع تشكيل طيف واسع من المنصات المدنية والسياسية السورية متعددة النكهات والطعمات، كلٌّ منها تعمل بحسب راعيها والوظيفة الموكلة إليها. فإذا كانت الهوية المدنية تفترض أن تكون بنى المجتمع السوري بنًى مدنية، تحقق شرطي تجاوز حدود العلاقات التقليدية والبنى المجتمعية (المسماة ما قبل دولة) من علاقات أسروية ودينية وإثنية، إلى مفهوم الفرد في المؤسسة والدولة، والحياد تجاه العمل السياسي والعسكري، بحيث تصبح المدنيّة رافعة الهوية الوطنية من دون تحيز سياسي أو غرضي منه سوى هوية المجتمع الحقوقية والوطنية والمدنية؛ فإن الأدوار الوظيفية التي أوكلت لنفسها نسبة الثلث في العملية السياسية السورية الانتقالية تضع نفسها في موقف متخارج مع هويتها ووظيفتها المدنية في المبدأ، لا بل تضع شروط العمل المدني أمام محصلة نفعية محضة، مفادها استثمار المفاهيم المدنية نظريًا، للوصول إلى موقع السلطة وإن كان بنسبة، وذلك بديل عن العمل المدني، وفق خط المؤسسات الفعلي الذي يسعى لتحديث البنى المجتمعية والضغط على الحكومات، أيًا كان شكلها السياسي، للوصول إلى الحقوق المدنية في الدولة العصرية.

هذا الاختلاط السياسي – المدني قد يجد صيغته التبريرية الفجة في أن المسألة السورية ليست ناجزة بعدُ للعمل المدني الحيادي؛ ما يستلزم العمل السياسي بداءة، ويبدو أن هذا حق يراد به باطل، ومناط هذا القول أن العمل السياسي الممكن هو تثبيت الحل السياسي وفق مرجعية جنيف، وتوصيفه الفعلي بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، وقبل ذلك لا يمكن لأي صيغة سياسية أن تحقق أدنى شروط العمل المدني، في ظل ترسيخ شروط الحلول العسكرية المنهجية على وقائع الأرض، ما يفيد بالضرورة بوجود توجّه مغروض، من قبل أوصياء العمل المدني ومانحيه، بفرض شروط سياسية تخدم أصحابها فحسب، وتكون بعيدة كل البعد من الصيغ المدنية الممكنة للعمل في واقع الثورة وما بعده.

المجتمع المدني، من حيث الهوية والتشكل، هو اللحظة الفارقة تاريخيًا، بين العلاقات الأهلية (علاقات ما قبل مدنية) المحكومة بالأصل المتوارث من حيث البيئة الاجتماعية، سواء أكانت أهلية ريفية أم عشائرية أم دينية. فإذا كانت مفارقة الإنسان للطبيعة خطوةً واسعةً في تاريخ تشكله وتطوره، كانت مفارقة وخروج الفرد من المنظومات المكتملة القَبْلية، سواء أكانت السياسية أم الأهلية ومن ضمنها المنظومات الدينية والأسروية وغيرها، إلى مصاف فرديته واستقلاليته وحريته، بحيث يستطيع ممارسة انتمائه الحر والإنساني، مرجعيته في ذلك طبيعة التحول الديمقراطي والفكر الليبرالي في عصر الأنوار، عبر مجموعة من التمفصلات والتمايزات، في العلاقة بين الفرد والجماعة، أو بين المجتمع والدولة، كما يحدده عزمي بشارة([3]). والمفارقة والتمايز هي الانتقال إلى موضوعة المواطنة وجملة الحقوق والممارسات الحرة، خارج مألوف الجماعات وشروط تشكلها التاريخية، حيث الفرد هو أساس وقاعدة البناء في المجتمع، في ظل فكرة الحرية والمساواة والعدالة الليبرالية، بذلك يصبح المجتمع المدني هو التجسيد العياني للأمة، بما فيه من تنوع واختلاف وتعارض. فأين هي الصيغ الممكنة لمجتمع مدني كهذا، يسعى ما يسمى بـ “المجتمع المدني” السوري لتحقيقه في بيانه أعلاه، في ظل وجود العمل العسكري فائق السطوة وتكريس هيمنة الميليشوية والوصاية الروسية الإيرانية على معظم الساحة السورية، والعمل على تهجير معظم مدنها وتفريغها من سكانها؟ هنا يبقى السؤال الأدعى لهذه الأدوار المنتقاة والموجهة خلاف ما يصبو إليه السوريين، ويتساءل الجميع عن الأدوار الممكنة لما يزيد عن 1100 منظمة عمل مدني سورية، تشكلت بعد عام 2011، حسب تقرير مواطنون لأجل سورية([4]) وعن مدى موافقتها على أي حلّ سياسي، لا يحقق لها شرطي الاستقرار والقانونية في الداخل السوري، لا في بلدان المهجر الأوروبي، كما ورد في البيان أعلاه؟ خاصة بعد تراجع مفاعيل الحل السوري إلى أدنى مستوياته؛ مع التفوق العسكري الروسي وحلفائه على الأرض.

[1] – خليل صويلح، منظمات المجتمع المدني السوري: مغارة علي بابا، الأخبار، العدد 2512، 6/2/2015.

[2] – سميرة المسالمة وشبكة المرأة السورية وآراء حول “الاستشاري النسوي” لدي ميستورا، ميكرو سوريا، 27/3/2016.

[3] – عزمي بشارة، المجتمع المدني، دراسة نقدية، ص 8-  المركز العربي للأبحاث والدراسات، الطبعة السادسة 2012.

[4] – منظمة مواطنون لأجل سورية، نتائج المرحلة الأولى لمشروع مسح الحراك المدني السوري، الموقع الرسمي،

http://citizensforsyria.org/ar/all-project-list/mapping-the-civil-society-in-syria، 2016.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق