سورية الآن

الشعب السوري لم يخض حربه بعد

على أعتاب نهاية معارك الشام، أقترح على بشار الأسد أن يعضّ على نواجذه قليلًا، قبل أن يعلن على الملأ “انتصاره”.
على الأسد أن يتمهل، حقًّا، وأن يترك لمدوّني المهازل وحدهم مهمة تدوين أعظم مهزلةٍ حربيةٍ، كتبت فصولها من الألف إلى الياء في بلاد الشام، تعارك فيها حلفاء لا خصوم، واستخدمت فيها سائر أدوات المعارك وأشرسها، أما الهدف المشترك للحلفاء والخصوم، معًا، فكان اغتيال ثورة الربيع السورية.
يوشك طاغية الشام أن يحتفل بـ”انتصارٍ” حققه وكلاء عنه، من إيرانيين وروس وعراقيين، على حلفاء آخرين، قاتلوا نيابة عن أميركا والإمارات والسعودية، وكان كلا الخصمين ينشد غايةً واحدةً، قوامها اغتيال خصم واحد هو الشعب ذاته.
أما “الإكسسوارات” التي استخدمت في دورة الحروب الطاحنة التي انطلقت عجلاتها منذ سنوات، لتجميل وجه الخصوم، وإسباغ نوعٍ من الشرعية على فوهات بنادقهم، فما أكثرها وما أمرّها؛ لأنها كانت إكسسواراتٍ منتزعة من جلد الشعب السوري، ولحمه ودمه.
كان مطلوبًا من الأسد أن يوظف أعتى ما تتوفر عليه مخازنه الحربية من ترساناتٍ عسكرية لم تر النور، لا في الجولان ولا في جنوب لبنان، بل استخدمت لإطفاء النور في عيون أطفال سورية، بحجة مقاومة “الهجمة الإرهابية” على سورية، فيما كان الخصم المقابل يؤدي دورًا مماثلًا على الشعب الواقع في قبضة سلطته السوداء. وكان هذا الخصم يدرك دوره جيدًا في مسرحية الحروب مع حليفه “الخصم”، وكان مطلوبًا منه هو الآخر أن يزعم أنه جاء من أقاصي المعمورة، ليدافع عن ثورة الشعب السوري، على غرار المقاتلين الذين أتوا من بلدان عربية وأجنبية، ولم يكن يدري أحدٌ تفسيرًا لمجيئهم من بلادٍ لا تقل طغيانًا واستبدادًا عن نظام الأسد نفسه، متجاوزين قاعدة “الأقربون أولى بالثورة” إلى “الأبعدين”، غير أن الأجندة كانت معروفةً، ومخططًا لها مسبقًا من طغاتهم أنفسهم الذين دفعتهم الخشية على عروشهم وكراسيهم إلى تعزيز سلطة الأسد، عبر التظاهر بمحاربته، في حين كان الشعب يدفع ثمن استبداد هؤلاء الرعاع في أحيائه وشوارعه، بذريعة أن ثورته قامت ضد نظام “كافر” في المقام الأول، لا نظام مستبدّ، كما زيّن له هؤلاء الرعاع، بدليل أنه اختبر الاستبداد بوجودهم أيضًا، لكنه استبدادٌ مغلفٌ باللبوس الديني الذي يبيح لهم جزّ الرؤوس في الساحات العامة، ونشر الرعب والخوف في كل مكان يحلّون فيه، تمامًا كما أمرهم قادتهم في واشنطن والرياض وأبوظبي.
على الطرف المقابل، كان الحال أسوأ وأغرب من أنظمةٍ حاربت نيابة عن الأسد، على غرار النظام الإيراني الذي طمس تاريخ ثورته برمتها على نظام الشاه، وتناسى أنه تبنى شعار “تصدير الثورة” إلى الشعوب المسلمة، فقلب معادلته في سورية رأسًا على عقب، حين انحاز للمستبد على حساب الشعب وثورته. وكذا فعل نظام فلاديمير بوتين في موسكو، الذي حاول أن يوهم الشعوب المغلوبة على أمرها ضد طغاتها أنه جاء ليجدد حقبة الاتحاد السوفييتي، وينحاز لآمالها وآمال فقرائها، بيد أن أولى ضحاياه كان وأد ثورة الشعب السوري ضد طاغيته. وأما الحشد الشعبي العراقي فكان صاحب أكبر المفارقات الهزلية، ففي وقتٍ كان يدّعي فيه مطاردة فلول “النظام البعثي”، رأيناه ينحاز لنظام بعثي آخر، واجتاح الأراضي السورية، بكل فيالقه و”نجبائه” ليقاتل دفاعًا عن هذا النظام المستبد.
قلتُ هي مفارقاتٌ ومسرحياتٌ هزلية جرت فصولها في سورية، وتحتاج مدوني مهازل ليفكّوا ألغازها الغريبة، بين خصوم حلفاء، وحلفاء خصوم يعرفون أدوارهم جيدًا، ويعرفون متى يطلقون النار، ومتى يُلجمون البنادق، ويعرفون متى يعلنون الانتصار، ومتى يرفعون رايات الهزيمة، ويعرفون متى يحتلون، ومتى ينسحبون.
لهذا وذاك كله، على بشار الأسد الذي انتصر من دون أن يحارب، أن يؤجل إعلان “انتصاره” الواهي؛ ذلك أن المنتصر الحقيقي لم يخض حربه الحقيقية بعد، وأعني به الشعب السوري.

(*) كاتب أردني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق