أبحاث ودراسات

أصل الدولة وأساس السلطة

تعددّت آراء الفقهاء والفلاسفة ورجال القانون حول أصل الدولة، وأساس السلطة فيها، إما بحسب الموقع الموضوعي لكل منهم، وإما بحسب مصادر المعرفة النظرية التي بنى عليها موقفه كل منهم، ولا بد من رصد أهم تلك النظريات:

1) نظرية التطور العائلي:

حيث يرجع أصل السلطة في الدولة -وفق هذه النظرية- إلى السلطة الأبوية “فالدولة في أصلها كانت أسرة تطورت، فكونّت عشيرة، تطورت بدورها إلى قبيلة، ثم تطورت القبيلة فكانت المدينة، وأخيرًا قامت الدولة”(1).

قال فليمر، وهو أحد أبرز المدافعين عن هذه النظرية: “السلطة السياسية تجد أصلها في آدم؛ لأنه صاحب السيادة الأولى على الأرض، وانتقلت السلطة من بعده جيلًا بعد جيل، ووزعت بين ملوك الأرض”(2).

أما جان بودان فقد قال: “إن الأسرة هي الأصل الحقيقي للدولة، والعضو الأساس فيها”(3)، لكن بودان حاول أن يبني على هذه الحقيقة نظرية متكاملة لتبرير استبداد (رب الدولة)، كحق مستمد من (رب الأسرة)، يقول د. عصمت سيف الدولة: “أراد بودان أن يُبرّر الاستبداد في القرن السادس عشر، عن طريق مقارنة الدولة بالأسرة، فخلط ما بين (الأسرة) التي تضم الأب والأم وأولادهما، وبين (الأسرة) كما تطلق على المجتمع البدائي في كتب تاريخ النظم، الأسرة الأولى نعرفها جيدًا فهي جماعة مرتبطة بوشائج الحب والمودة والتعاطف والرعاية يتحمّل فيها الموالون العبء النفسي والعقلي والمادي إلى حد التضحية بالذات من أجل تنشئة الأولاد. أما (الأسرة) الثانية فهي غير مقصورة على الأولاد، ولا تربطها علاقة الدم الطبيعية، إذ إنها تضم الغرباء عن طريق التبني، والعبيد عن طريق الشراء أو الغزو، والنزلاء على طريق الاستضافة، والعشائر متقاربة الأجداد، والقبيلة تضم العشائر، ثم إنها فوق هذا تتضمن علاقة ملكية وخضوعًا لشرط واحد، يصبح حينئذ (رب الأسرة) أقرب إلى الدلالة على الأسرة بهذا المفهوم من أن نسميّها (عائلة)”(4).

هكذا حاول البعض تبرير الاستبداد في هذا العصر “عن طريق إحياء أكثر أطوار البشرية بدائية”، وما يعنينا الآن أن عصرنا ما زال يشهد نماذج من تلك الدول التي تم تأسيسها على أساس أن مجتمعًا ما، أو جزءًا من هذا المجتمع (وطنه وشعبه) هو (أسرة)، وأن المؤسس هو (رب تلك الأسرة)، فيؤسس “دولة” بمساندة قوى محلية، أو بمساعدة قوى خارجية، ويتحول من (رب للأسرة) إلى (رب للدولة)، ويدبّج لها الدستور، والقانون، ويجعلها وراثية في ذريته، وقد يتفضل عليها فيخلع عليها نسب عائلته فتصبح دولة (كذا… فلان). وفي الوطن العربي أمثلة على مثل تلك (الدول قانونًا)، والتي هي (دول أُسر وعائلات) موضوعيًا. فجزء كبير من شبه الجزيرة العربية يقوم عليه دولة تُنسب إلى المغفور له سعود ربّ أسرة آل سعود، وأجزاء أخرى دول على مقاس عائلة فلان. وهي وراثية في ذريته. وينص على هذا في الدستور. وفي العالم أمثلة أخرى، وقد لا يؤسس رب العائلة تلك الدولة، إنما يخطر لأحد حكامها أن يحولهّا إلى (دولة عائلة)، وهو (ربها) والأمثلة أيضًا حيّة في عقولنا. وفي عالم اليوم. فالرئيس أنور السادات رئيس دولة جمهورية مصر بين عامي (1970-1981) نصّب نفسه (رب عائلة المصريين)، وكذلك فعل الرئيس بوكاسا (رب عائلة افريقيا الوسطى)، وهكذا.

2) نظريات المصدر الإلهي للسلطة (التيوقراطية):

على هذه النظرية، “قامت السلطة في أغلب المدنيات القديمة، وأقرتها المسيحية في أول عهدها، وإن حاربتها فيما بعد. ثم استند إليها الملوك في أوروبا، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ لتبرير سلطاتهم المطلقة واختصاصهم غير المقيد” (5).

تتميز السلطة -استنادًا إلى تلك النظرية- بطبيعة إلهية، الحاكم فيها، يستمد السلطة من الله مباشرة، وقد فسّر اللاهوتيون والفقهاء الرومانيون القول بأن الملك فوق كل قانون، على أنه يعني حرية الحاكم، وعدم خضوعه لأي إلزام، أو إكراه قانوني. فالحاكم، كما قال أرنست كأسير -وفق هذه النظرية- ليس خاضعًا لأي إجبار يُرغمه على إطاعة القوانين، فإذا صح القول بأن (الحاكم) يستمد سلطاته مباشرة من الله؛ كان معنى هذا أن أي مقاومة تُعد مقاومة سافرة لإرادة الله. ومن ثم تُعد من الخطايا الأزلية، ويتمتع بهذا الحق حتى الحكام الظالمون، لأنهم يعدون ممثلين لله وتتحتم طاعتهم تبعًا لذلك، وقد قبل “توما الأكويني” هذه الحجة، ولم يحاول هدمها، ولكنه أقّرّ “إلزام الناس طاعة السلطات الدنيوية، ولكن هذه الطاعة مُقيدّة بقوانين العدالة، ومن ثم لا يكون الرعايا مُلزمين بطاعة أي سلطة (زمنية) ظالمة، أو مغتصبة”(6).

بالطبع، إن توما الأكويني حاول تقييد سلطة الحاكم الدنيوي لصالح الكنيسة، بل إنه شرّع للثورة على السلطة الدنيوية عندما قال: “يُحرّم القانون الإلهي الفتنة بغير شك، وإن كانت مقاومة لأي سلطة ظالمة مغتصبة، أو عصيان أي (طاغية)، فلا يُنظر إليها على أنها ثورة أو فتنة، بل تعد عملًا مشروعًا”، ويُبيّن هذا بكل وضوح: “على الرغم من الصراع المستمر، بين الكنيسة والدولة وبين النظام الروحي والنظام الدنيوي، فإن هناك مبدأ اشترك فيه النظامان، فسلطة الملك، والنظام الدنيوي ليسا مجرد (نظامين عابرين)” -كما يقول أرنست كاسير- “فهما يتمتعان بالخلود الأبدي لإحقاق الحق، لأن القانون أبدي، ومن ثم فإن له قيمة روحية خاصة به”(7).

يقول عبد الهادي عباس: “في العصور الوسطى، لم يكن معنى الدولة معروفًا كما هو معروف الآن، وكان الإقطاع هو النظام القائم آنذاك، ويستند إلى الولاء الشخصي، وقد نشب النزاع في عهود الإقطاع بين الكنيسة والإمبراطورية في موضوع السلطة الزمنية”(8).

أما د. فاضل ذكي، فيرى أن “الآراء المتعلقة بالسلطة كانت في الحقيقة خليطًا من آراء قبلية، وأخرى ذات طبيعة موالية للإمبراطورية العالمية، فمن الناحية القبلية كان الملك سيد شعبه، أما من الناحية الإمبراطورية فكان الرأي السائد هو أن توجد سلطة فوق سلطة جميع الملوك”(9).

لقد كانت الإمبراطورية الرومانية المقدّسة في الغرب “تُجهد نفسها لإخضاع الدول بصفتها سلطة (فوق دولية)، وكان على الدولة أن تكافح ضدها، وضد القوى الأخرى من كنسية، وكبار الأسياد الإقطاعيين، والطوائف القومية في المدن، وذلك لتأكيد سلطتها الخاصة، وكان النقاش خلال العصور الوسطى بصدد الدولة قد جرى فعلًا حول نظريات مختلفة، أهمها ما يتعلق بمعرفة ما إذا كانت الكنيسة، أو الدولة هي التي تملك، أو يجب أن تملك السلطة العليا الأكثر رفعة”(10).

يقول عبد الهادي عباس: “توفيقًا مع المنظور اللاهوتي، كان الاعتقاد أن سلطة الدولة تنبثق عن الإله الذي يمنحها ويوزعها على حائزيها المختلفين، وفي إطار النظرية التعاقدية، جرى تأكيد على أن الله ينيط السلطة بالشعب، بواسطة نوع من الاتفاق المبرم بين الحاكمين، وبين الشعب، ويُستخلص من هذا أن سلطة الدولة في رأي هؤلاء ليست غير محدودة بكليتها، ليس في الواقع فحسب، بل في القانون أيضًا، فهي محددة ليس بالإرادة الإلهية فقط، بل بشرائط العقد المبرم مع الشعب أيضاً”(11).

وكان أرسطو قد قال: “إن السلطة يجب أن تكون للقوانين المؤسسة على العقل، وإن ولي الأمر، واحدًا كان أو متعددًا، لا ينبغي أن يكون سيدًا إلا حيث لا يوجد نص في القانون، لامتناع ضبط الجزئيات في اللوائح العامة”(12).

ومهما تعددت نظريات المصدر الإلهي؛ فإن فلاسفة وكهنة عدة يصرّون على ما يبدو أن يستولدوا الأسطورة الفرعونية القديمة التي نقل عنها د. عصمت سيف الدولة: “إن إله الصحراء (ست) قتل الإله (الوزير) ومزق جسده إلى ثلاث عشرة قطعة دفنها في أماكن متفرقة من وادي النيل، ولكن الإلهة (إيزيس) أرملة القتيل، استطاعت أن تجمع القطع المدفونة، وأن تبعث فيها الحياة مرة أخرى لتلد من زوجها المبعوث إلهًا جديدًا هو (حورس)، وفي ظل سيادة تلك الأسطورة كان الكهنة في مصر القديمة يتوجوّن كل ملك جديد، طبقًا لطقوس سحرية معقدة ترمز إلى قصة الزوجين إيزيس وأوزيريس ومولد ابنهما حورس، ليكون ذلك إشهادًا كهنوتيًا بأن الفرعون الجديد هو أيضًا من نسل الآلهة”(13) .

ويحكي هوميروس في ملحمته (الإلياذة): “كان عند اليونان آلهة شتى من بينها آلهة للعدالة تسمى (ثيميس)، يتلقى منها الملك قراراته، فأصبحت القرارات الملكية تسمى (ثيميس) تعبيرًا عن أصلها الإلهي”(14).

وفي الهند، “كان (مانوا) اسمًا يُطلق على كل من الملوك المؤلهيّن السبعة الذين حكموا العالم، وإلى الأول منهم أوحي (قانون مانوا)، من لدن الإله (بواها)، فأبلغه إلى الكهنة (المهاريشية)، ثم بقي محفوظاً”(15).

وتحكي أساطير (بنى إسرائيل) أن موسى، قبل أن يتلقى الوصايا العشر ويصبح رسولًا، والكهنةَ من بني إسرائيل قبل عهد موسى، كانوا ينسبون قراراتهم إلى الله. جاء في العهد القديم: “في اليوم التالي، جلس موسى ليحكم في الناس، وبقي الشعب واقفًا أمامه من الصباح إلى المساء. ورأى والد امرأة موسى ما يفعل موسى بالشعب فسأله: ما هذا الذي تفعله بالشعب؟ لماذا تجلس وحدك، ويبقى الشعب واقفًا أمامك من الصباح إلى المساء…؟ فقال موسى لحميه: إن الشعب يحضر إلي لأستشير الله. فكلما عنّ لهم أمر حضروا إلي فأعلن فيهم أوامر الله (سفر الخروج – إصحاح 18 نص من 13-16)”(16).

ثم جاءت دعوة السيد المسيح عليه السلام: “المسيحية في جوهرها رسالة محبة ومساواة بين البشر، ودعوة قوية، مُلحّة، إلى إنصاف الفقراء والمستضعفين. وعندما سادت المسيحية أوروبا وتجسدّت في مؤسسات كنسية على رأسها البابا. استطاعت الكنيسة فعلًا أن تُنهي استبداد أرباب الأسر، والعشائر، والقبائل، والأمراء، والملوك، ولكن إلى حين. فلم يلبث الباباوات، وهذا من غرائب تاريخ الاستبداد، أن أصبحوا هم المستبدين. وهو استبداد ليس أقل تخلفًا من استبداد الآخرين، إذ باسم (الله) ألغى الباباوات وحدة المجتمع، وتعدد الأفراد فيه، ولقد بلغ استبداد الباباوات قمته في شخص البابا/ توسنت الثالث (1160-1216 م). هذا البابا هو صاحب، ومدير، ومنظم مؤسسات التعذيب المجنونة المعروفة باسم (محاكم التفتيش). وفكرتها التي اشتقت منها اسمها لا يمكن أن تصدر إلا من ذهن مريض. فالأصل اللاتيني لكلمة التفتيش يعني (البحث من الداخل)، ومؤداه عدم الانتظار إلى أن ترتكب المخالفات، ثم (التحقيق) في صحة ارتكابها وصحة إسنادها إلى فاعل معين، لا، بل المبادرة بالتفتيش في ضمائر الناس وخفايا أفكارهم، لاكتشاف (للتفتيش عن) ما يضمرون من نيّات وما يخفون من أفكار، ومعاقبتهم عليها كما لو كانت الجريمة قد وقعت فعلًا”(17).

وبماذا كان الباباوات يمرروّن الاستبداد الكنسي؟ يقول د. عصمت سيف الدولة: “كانت نظرية (الحق الإلهي) أولى النظريات التي قيلت تبريرًا للاستبداد الكنسي. مؤدى تلك النظرية أن الحكم لله وحده، وأنه يختار لأدائه في الأرض من يشاء، فيصبح حاكمًا بأمر الله. المميز الأساس لهذه النظرية أن الاختيار الإلهي فيها يتم مباشرة لشخص بعينه”(18).

وعندما تغيرّت الظروف، وعجزت نظرية (الحق الإلهي) عن تبرير الاستبداد؛ ظهرت نظرية (العناية الإلهية): “كلاهما تبرر الاستبداد بإسناد (القرار) إلى (الله)، ثم تختلفان في طريقة تلقي المستبدين وحيهم من السماء؛ فبينما تذهب نظرية (الحق الإلهي) إلى التلقي المباشر، تذهب نظرية (العناية الإلهية) إلى أن إرادة الله توجه شؤون الناس، وعقولهم، وإرادتهم على وجه غير مباشر إلى أن تصبح السلطة بيد واحد منهم. فهو لا يكسبها بجهده. ولا يستحقها لأمر معروف خاص به، ولا يتلقاها من أحد من الناس، ولا من الله أيضًا، ولكن عناية الله هي التي وضعته في موضعه”(19). لكن الأمور لم تقف هنا، وحسب، وإنما تطورت إلى الحكام الآلهة المؤبدين.

مراجع، وهوامش:

(1) د. ثروت بدوي، النظم السياسية، صفحة (104).

(2) و(3) المصدر السابق صفحة (104).

(4) الاستبداد الديمقراطي، د. عصمت سيف الدولة، صفحة (30).

(5) د. ثروت بدوي، النظم السياسية، صفحة (87).

(6) أرنست كأسير، الدولة والأسطورة، صفحة (146).

(7) المصدر السابق صفحة (147).

(8) السيادة، عبد الهادي عباس، صفحة (10).

(9) و(10) و(11) و(12) صفحة (9) وما بعد.

(13) الاستبداد الديمقراطي، د. عصمت سيف الدولة، صفحة (31).

(14) و(15) و(16) و(17) و(18) و(19) نفس المصدر السابق.

مقالات ذات صلة

إغلاق