في اتفاق السوريين وخلافهم

نعم، الخلافُ السياسيّ بين السوريين واقعٌ لا جدال فيه. ولكن، هل يتفق غالبية السوريين على شيء ما؟! وفي حال واقعية اتفاقهم على شيء ما، هل يمكن للمتفق عليه الأكبر بين السوريين أنْ يؤسس لحل الخلافات الكبرى الحاصلة؟

يبدو أنّ غالبية السوريين، من موالاة ومعارضة وحياديين في الداخل والخارج، الآن، متفقون على سورية أو على الدولة السورية المعترف بها وبحدودها وبسيادتها من الأمم المتحدة، ولكنهم مختلفون على:

1 – سورية الأسد و”الحلوليّة” الواقعة بين شخص الرئيس وبين الدولة السورية.

2 – شكل نظام الحكم في الدولة السورية.

3 – مصدر شرعية نظام الحكم المُستمدة من القوة فعليًا لا من الشعب السوري.

إذن، يتفق السوريون على سورية، ويختلفون على “سورية الأسد”. والمقصود بـمقولة “سورية الأسد” هو الحلوليّة الفعليّة بين الدولة السورية وبين النظام السوري؛ بين الدولة وبين السلطة، بين الدولة وبين الرئيس، وما صيغة “سورية الأسد” إلّا تعبير فاقع عن هذه الحلوليّة، أما صيغة “وحدة سورية أرضًا وشعبًا وقيادة”، فهي تعبير مخفف عن هذه الحلوليّة!

في هذه الحالة الحلوليّة، أو وحدة شخص الرئيس مع الوطن، إذا رأيت سورية فأنت ترى الأسد أو النظام السوري الحاكم، وإذا رأيت الأسد أو النظام الحاكم فأنت ترى سورية، أو تراهما معًا؛ أي الأسد هو الدولة والدولة هي الأسد.

وإذ أستعير مفهوم “الحلوليّة” من مجال التصوّف، وأنقله إلى مجال السياسة لا للتشابه في العلاقة فقط بينهما، بل لتحديد الأسس الصوفية للحلوليّة السياسية، وتحديد أسس نقدها لكي نتجاوزها.

فكما الحلولية الصوفية الإسلامية، بين العارف (المتصوف) وبين الله، نجد الحلوليّة السياسية هنا من دون النفي ونفي النفي. إنها حلوليّةُ دورانٍ بلا تقدّم بلا تاريخية، بلا أصل (مبدأ) ونشوء وتدرج وارتقاء. وما هذا إلّا لأن اللامنتهي لا يؤسِّس المنتهي، المطلق لا يؤسِّس النسبي، التعالي لا يؤسِّس العالم. وتضيع الجدوى من جهود البشر في الارتقاء والتحسن في التكرار؛ لغياب المبدأ. فمنصب رئيس الجمهورية مثلًا يجب أن يكون مطلقًا بين السوريين، ولكن بحالتنا الحلوليّة هذه تحوّل النسبي إلى مطلق، واقتصر على الأسد.

وهنا أيضًا يتقوض مبدأ القبل والبعد الخطيّ، ويسود عند السوريين مطلب فصل السلطات، قبل فصل الدولة عن السلطة أساسًا، لا بعده. ويكون الأسد هو وسيط الشعب السوري إلى دولته، وهو شفيع الشعب عند هذه الدولة، ويصبح شغل الشعب على تغيير السلطة وعلى تداولها من دون جدوى، لغياب مبدأ تعالي الدولة الذي يقيم الدولة السورية. فالمبدأ الحاكم هو الدولة لا السلطة؛ من أجل جدوى ونمو الدولة السورية، وتكون العلاقة اللاحلوليّة بين الدولة وبين الشعب بلا واسطة أو وسيط، بمعنى العلاقة بين الدولة المتعالية وبين الشعب المحايث لتعالي الدولة.

إن الحلوليّة من مظاهر الاستبداد المحتكر للدولة بعلاقة حصرية، فثمة حلوليّة سياسية في سورية، إلى درجةٍ بات النسبي والمنتهي والمحايث فيها يتغنى بحلوليته على طريقة “الحلاج” ولكن بتصرف، يتغنى بعلاقة الحاكم بحلوله محلّ المحكومين، وبعلاقة الحاكم بحلوله محل الدولة ولسان حاله يقول:

أنا مَن أحكُم ومَن أحكُم أنا

أنا الدولة والدولة أنا

نحن روحان حَلَلْنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته/ها وإذا أبصرته/ها أبصرتنا.

وهكذا، تتفرع خلافات جديدة، طرحت نفسها كمشاريع لحلِّ هذه الإشكالية الحلوليّة وتخطّيها، مثل:

1 – المشروع الإسلامي وخلافة الإمبراطورية الإسلامية العابرة للحدود الوطنية المعترف بها دوليًا.

2 – المشاريع الطائفية ما دون الوطنية، وهي تسعى لتقسيم سورية إلى دويلات وكيانات، تتطابق فيها الحدود الجغرافية مع المكونات الاجتماعية بخلاف الحدود الدوليّة.

3 – مشروع الدولة الوطنية، دولة الكل الاجتماعي، دولة الحق والقانون التي تلتزم وحدة حدودها الوطنية وسيادة شعبها، مع تداول السلطة وتغيّر الرئيس.

ما يدعم حالة الحلوليّة الآن ويناهض نمو الدولة الوطنية هو:

– واقعة التدخل الدولي والإقليمي، وقد تفرع منها استزلام زمر سورية كثيرة، من جميع الأطراف السورية ولصالح جميع القوى المتدخلة.

– انقسام سورية واقعيًا إلى أربع مناطق نفوذ وظيفية: 1- درعا والقنيطرة مناطق نفوذ إسرائيلي أردني أميركي. 2- اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص ودمشق والسويداء وريف دمشق ومدينة حلب مناطق نفوذ روسية إيرانية مع النظام السوري. 3- إدلب وعفرين وشمال حلب مناطق نفوذ تركية، إضافة إلى الإسلاميين السوريين. 4- شرق الفرات والتنف والطبقة مناطق نفوذ أميركية وكردية. ولهذا يجري العمل الآن على تنظيف ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي وضواحي دمشق الجنوبية والقلمون من المعارضين، وتهجيرهم إلى مناطق نفوذهم.

– انقسام سورية بين وطنيتين أيضًا؛ إذ بات عندنا وطنيتان: وطنية تقوم على الحلوليّة، وأخرى ترفض الحلوليّة وتسعى إلى الفصل بين الدولة وبين السلطة. الأولى يلخّصها شعار “سورية الأسد” أو “الأسد أو نحرق البلد”؛ والثانية يلخّصها “سورية/ الشعب السوري” أو “سورية لينا وما هي لبيت الأسد”. بمعنى آخر: وحدة سورية، أرضًا وشعبًا وقيادة، أم وحدة سورية أرضًا وشعبًا فقط. ولا سيّما أنّ وحدة سورية أرضًا وشعبًا فقط، هو توجّه دولي معلن يقول بوحدة سورية الحالية.

كان يمكن لـ “سورية الأسد”، كما لـ “روسيا بوتين” أو لـ “إيران الخامنئي” أو لـ “صين ما بعد التسعينيات”، أن تمنح بعض الحريات للأفراد والأحزاب والصحافة، وأن تُحسّن الخدمات وأن تزيد النمو، وأن تبقى “سورية الأسد”، ولكنها فضلت أن تحرق البلد ولا تتنازل عن هذه الحلوليّة.

حتى الآن، ما زالت حالة الحلوليّة هذه قائمة، مع أنها تقلصت واقعيًا، قياسًا على مرحلة ما قبل الثورة السورية، وبالرغم من أن مشروع الخلافة الإسلامية العابرة للحدود الوطنية قد انهزم، وبالرغم من أن المشاريع الطائفية ما دون الوطنية لم تنهزم بعدُ نهائيًا؛ فإن الرهان يبقى على مشروع الدولة الوطنية، لفكفكة هذه العلاقة الحلولية نهائيًا.

وبالرغم من تقسيم سورية الآن إلى أربع مناطق نفوذ وظيفية، فإن التقسيم الفعلي، بمعنى الدويلات وسيادتها والحدود والأعلام والاعتراف الأممي وترسيم الحدود، غير قائم حتى الآن، واحتمالاته ضعيفة في المستقبل؛ لأن الدولة التي نشأت مع وستفاليا عمومًا هي دولة السيادة والحدود والمواطنة، وهي الدولة نفسها التي رسمتها حدود سايكس بيكو في سورية خصوصًا، وهي الدولة القابلة للحياة، في ضوء انهزام المشاريع الإمبراطورية فوق الوطنية والمشاريع الطائفية دون الوطنية، وبقاء إمكان قيام الدولة الوطنية.

إذن؛ ثمة اتفاق واحد وثلاثة خلافات أساسية. فكيف لاتفاق واحد أنْ يؤسس لحل هذه الخلافات الأساسية، إذا لم تتحول سورية أو الدولة الحالية إلى دولة وطنية؟ ولا يحدث هذا التحول إلا بتجاوز التدخل الدولي والإقليمي، وتجاوز انقسام سورية بين وطنيتين، وتجاوز انقسامها إلى أربع مناطق نفوذ وظيفية. ففي العمل والنظر السورييّن، يجب الاستناد إلى سورية بوصفها المتفق عليه الأكبر، وتحويل مشروع الدولة الوطنية إلى مستقبل للواقع السوري.