قضايا المجتمع

العنصرية اللبنانية تجاه السوريين سوسيولوجيًا

في صيف عام 1992، بينما كنتُ في لبنان بصفة عامل في إحدى المؤسسات المهنية اللبنانية الخاصة، صادَف في أحد الأيام أن كان سائق الشاحنة التي ننقل بها السلع المنتجة شابًا لبنانيًا جامعيًا ينتمي إلى “حزب الله”، وكالعادة لا بدّ من المرور عبر الحواجز العسكرية السورية، وقبل الوصول إلى الحاجز جهّز الشاب مبلغًا من المال، من أجل السماح له بالمرور دون تفتيش وتدقيق، وبعد ابتعاده عن الحاجز أمتارًا قليلة؛ بدأ سلسلة من الشتائم بحق السوريين، وهنا تدخلت منزعجًا، وطلبت منه أن يوجّه شتائمه إلى النظام السوري، حليف حزبه (حزب الله)، لا إلى السوريين. وسألته: “ما علاقة المواطنين السوريين بإهانتك يوميًا من قِبل الحواجز الأمنية للنظام! اشتم الفاعلَ”، فكان جوابه: “وهل ترغب في قتلي وموتي!”، وشرع يسرد لي قصص عشرات الحالات التي يعرفها شخصيًا من اللبنانيين الذين اختفوا، بعد اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية الأسدية، مختتمًا كلامه بأن ما بدر منه من شتائم هو “فشة خلق”، سببها ممارسات الحواجز العسكرية للجيش الأسدي.

سردت هذه الحادثة العيانية، لتكون مدخلًا لتفسير عنصرية اللبنانيين تجاه اللاجئين السوريين في لبنان، من منظور سوسيولوجي، حيث ينبغي التمييز بين الكراهية الفردية لشخص آخر أو لمجموعة من الناس، وهذه حالة نفسية عادية، فمن الطبيعة الإنسانية أن يحبّ الشخص مَن يجد فيه خصالًا يحبّها، وأن يكره مَن يجد فيه خصالًا يكرهها، بمعنى آخر: الموضوع هنا يدخل في نطاق المشاعر والانفعالات الفردية، من شخص تجاه شخص آخر أو مجموعة من الناس، دون أن يكون لمثل هذه المشاعر والأحاسيس السلبية انعكاسات مضرة ومؤذية بحق هؤلاء، وبخاصة في ما يتعلق بحقوقهم المدنية والقانونية الخاصة بهم. وبين الكراهية والسلوكيات العنصرية المنهجية، التي تمارس من قبل هيئات ومنظمات حكومية، في ميادين الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية وغيرها، بهدف إلحاق الضرر والإيذاء وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية، واستلاب إرادتها بوسائل غير إنسانية، تحت غطاء شرعي ومؤسساتي، تستهدف آلاف السوريين اللاجئين في لبنان.

تعبّر السلوكيات العنصرية اليومية التي يمارسها بعض اللبنانيين تجاه اللاجئين السوريين، عن كراهية واضحة، انتقلت من السلوكيات الفردية في الشارع والأحياء السكنية وأماكن العمل والتجمعات والمواصلات، إلى الحملة المنهجية من قبل المؤسسات الرسمية اللبنانية ضد اللاجئين السوريين، بداية من اتهامهم بأنهم بيئة حاضنة للإرهاب في لبنان، إلى فرض حظر التجول من قبل بعض البلديات، إلى تصريح وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، بأن كل نازح سوري في لبنان هو مشتبه فيه حتى يثبت العكس، ويجب على كل دورية للشرطة البلدية أن تمر بتجمعات النازحين السوريين وتقوم بعملية تفتيش. ويضيف باسيل: يجب منع وجود مخيمات وتجمعات للنازحين السوريين داخل بلداتنا، وغير مسموح للنازح السوري أن يعمل على حساب اللبناني، ومن غير المسموح لأي بلدية أن تسمح لأي نازح سوري بفتح محل تجاري وأخذ لقمة عيش اللبناني.

إضافة إلى القرارات التي فرضت قيودًا قاسية ومكلفة، لتجديد سندات الإقامة من دون أيّ مراعاة لخصوصية اللاجئين منهم بشكلٍ اضطراريّ، وكذلك سياسات الترحيل، وإلغاء صفة اللجوء، إضافة إلى مئات المداهمات الأمنية التي طالت معظم الأماكن التي يوجد فيها اللاجئون السوريين، والتي نتج عنها عدد كبير من الاعتقالات التعسفية، فضلًا عمّا رافق ذلك من إذلال في التفتيش وسلب أبسط حقوقهم الإنسانية، طبعًا، هذا عدا الضرب والتعذيب، وحرق المخيمات التي تسببت في مقتل عشرات من اللاجئين السوريين.

ويأتي في هذا السياق قرارُ وزير التربية اللبناني، الذي حرم عددًا كبيرًا من التلاميذ السوريين حقهم في التعليم. وتبرير تسرب الطلبة اللبنانيين من مدارسهم بوجود طلاب سوريين، وقد وصل الأمر إلى القول إن أسباب تلوث الهواء في لبنان يعود إلى وجود السوريين، حتى عنوسة اللبنانيات عُزيت إلى وجود السوريات… إلخ، ويضاف إلى ما سبق ظهورُ يافطات تمنع التجوّل، وتُطالب بطردهم، وبلغ الأمر ببعض اللبنانيين تحميلَ السوريين مسؤولية البطالة والفقر وأزمة المياه والكهرباء، وعجقة السير وغيرها من المشكلات اللبنانية المزمنة التي كانت قبل لجوء السوريين، وكانت آخر تلك الدعوات الأغاني اللبنانية التي تهين العائلات السورية، وقد بُثت على شاشة قناة (الجديد)، وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

من الواضح أن هناك سياسة لبنانية نظامية، تصدر عن مؤسسات حكومية رسمية بصورة متعمدة، تقضي برفع منسوب الكراهية والعنصرية تجاه اللاجئين السوريين، وإظهار اللجوء السوري إلى لبنان، وكأنه يشكل خطرًا على الدولة اللبنانية. إن هذا خطاب نظام سياسي لبناني عنصري بامتياز.

العنصرية اللبنانية تجاه السوريين ليست حديثة العهد، ويرجعها البعض إلى عاملين: الأول تاريخ استقلال لبنان وسورية عن الانتداب الفرنسي عام 1946، وعقدة اللبنانيين بعدم الاعتراف السوري بدولة لبنان، حتى سنة 2008، حين تمّ الاعتراف القسري من قبل النظام السوري بدولة لبنان، وتبادل السفراء. والعامل الثاني -وهو الرئيس باعتقادي- دخول الجيش الأسدي سنة 1976 المدن والبلدات اللبنانية؛ على إثر اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وممارساته بحق المواطنين اللبنانيين، من قتل واعتقال وتعفيش لممتلكاتهم، مثلما تصرّف بحق السوريين بعد ثورة 2011، ويمكن وصف تلك الممارسات بأنها أبشع من ممارسات أي جيش احتلال، وقد ولّدت ممارسات الحواجز العسكرية تجاه المواطنين اللبنانيين كراهية عنصرية تجاه السوريين، بحيث لم يعودوا يميزون بين السوريين كمواطنين، الذين تأذوا من هذا النظام أضعاف ممن تأذى اللبنانيون، وبين النظام السوري كنظام استبدادي متوحش على السوريين واللبنانيين معًا.

يمكن القول إن مرجعية هذه العنصرية هي مؤسسات النظام السياسي اللبناني الموالي للنظام الأسدي، حيث إن الغياب القانوني المطلق لحماية السوريين اللاجئين في لبنان جعلهم لقمة سائغة، لمن يرغب في استغلالهم في سوق العمل، وعرّضهم لسوء المعاملة من قبل أفراد ومؤسسات لبنانية، إذ ليس لديهم الحق في اللجوء إلى المؤسسات المختصة في حالة تعرضهم لأي اعتداء، وفي الوقت نفسه، هناك حالات عنصرية فردية صادرة عن رواسب ثقافية كارهة لممارسات النظام السوري العسكرية والأمنية إبّان وجوده العسكري في لبنان.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق