سورية الآن

عندما تنقلب التحالفات في سورية

قبل سبع سنوات، كانت خريطة التحالفات في سورية واضحة في البداية، وحادّة، على الرغم من اختلاف أهداف أطرافها، وبالتالي أدوات واقترابات كل منها لتحقيقها. تمحور التحالف والصراع على مساندة ثورة الشعب السوري، أو دعم نظام بشار في قمعها. فاصطف مع بشار كل من روسيا وإيران بالأساس، وبعض الدول العربية التي اعتبرت ثورة الشعب السوري، مثل بقية ثورات الربيع العربي، ليست سوى مؤامرات تحاك ضد الدول العربية.
في المقابل، كان المعسكر الداعم للثورة السورية أكثر اتساعاً وتنوعاً، فشمل من دول المنطقة معظم دول مجلس التعاون وتركيا. ومن خارجها معظم الدول الغربية والقوى الكبرى في العالم، ربما باستثناء روسيا والصين.
داخل المعسكرين، تباينت الأهداف الجزئية أو لنقل الحقيقية، فالقضية لدى إيران لم تكن رفض الثورات من حيث المبدأ، وإنما المشكلة في أن الثورة السورية ستطيح نظام بشار المتحالف مع طهران، بينما أولوية روسيا ليست عقيدة النظام أو رأسه، وإنما ضمان استمرار التحالف مع موسكو، وتأمين مصالحها مستقبلاً. وعلى الجانب الآخر، لم تكن واشنطن تؤمن، من البداية، بحتمية إزاحة بشار. وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما تتمنّى لو تنجح الثورة السورية من دون دماء. وبعد أن نجح بشار في عسكرة الثورة، وفرض المواجهة المسلحة على المعارضة، لم يستجب سلوك واشنطن لذلك التطور، فأحجمت عن تقديم دعم عسكري حقيقي للمعارضة. وانكشف أنه لا دعم الثورة السورية حتى النهاية، ولا إطاحة بشار، ضمن أولويات واشنطن. وأن عداءها بشار والمطالبات المتكرّرة بخروجه من المشهد ليست سوى نفاق إعلامي. أو في حدّها الأقصى تمنياتٍ بأن يخرج في إطار عملية سياسية سلسة، تضمن انتقال السلطة إلى يد “مؤتمنة”، وليس إلى الإسلاميين الجهاديين. لذا كان تحصيل حاصل أن تفصح واشنطن أخيراً عن حقيقة موقفها بإقرارها علانية ببقاء بشار، وأن إزاحته “لم تعد أولوية”. وبسبب الخذلان الأميركي، بالتوازي مع التدخل الروسي الذي غير موازين القوة على الأرض جذريا، اضطرّت دول عربية إلى التعامل بواقعية مع فكرة استمرار بشار. بعد أن كانت تعتبر إطاحته خطاً أحمر لا تراجع عنه. وهو أيضاً الاتجاه الذي سارت فيه تركيا للأسباب نفسها.
وهكذا زال محور الخلاف الأصلي الذي كانت تنقسم حوله التحالفات في سورية. وفرضت المستجدات على الأرض محاور جديدة للتحالف والتصارع. أولها رسوخ دور الجماعات المسلحة، بعد أن أصبحت تسيطر على مناطق النفوذ وتقاسمه فيها، بل وأصبح لها تحالفات وحسابات خاصة بها، فصارت جزءاً أصيلاً من المعادلة السورية، بعد أن كانت مجرّد أدوات وأذرع للدول الداعمة لها.
محور التحالف والتصارع الثاني هو حدود التفاهم والتنافس على سورية الجديدة. بعبارة مباشرة، صفقات ومواجهات اقتسام النفوذ والسيطرة على الأراضي السورية حالياً التي ستمهد بدورها إلى رسم حدود النفوذ ومداه، وبالتالي المكاسب المتوقعة في المستقبل.
طوعاً أو قسراً، لم تعد القضية بالنسبة لأي طرف تلبية استغاثة السوريين وإنقاذهم من القتل والتشريد، ولا الحفاظ على وحدة الدولة السورية. وبينما الهدف الظاهري المعلن من كل الدول، وفي المحافل كافة، هو التوصل إلى تسويةٍ سياسية، يشهد الواقع على أن التدخل العسكري المباشر هو الأداة الرئيسة، والمدخل لتأمين مصالح ومواقع كل طرف. وليس أدل على ذلك من الاجتماعات الثلاثية المتتالية بين روسيا وتركيا وإيران، والتي كشفت أن تحالفاً جديداً نشأ، أو على الأقل تنسيقاً بين البلدان الثلاثة. في مقابل التحركات الأميركية والإسرائيلية والعمليات العسكرية الجراحية التي تقومان بها، قبل دخول فرنسا على الخط بقرار إرسال قوات إلى الأراضي السورية. وفي السياق نفسه، تأتي الدعوة الأميركية إلى إرسال قوات عربية، وربما أيضاً من دول إسلامية، إلى سورية. لتنقطع صلة الملف السوري تماماً بفكرة الثورة أو المطالب الشعبية، وليصبح محور التحالف والصراع هو التنافس على مكاسب وغنائم ما بعد الحرب.

(*) كاتب مصري

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق