قوة إيران وضعفها.. ومكامن العزة “الإيرانية”

أكد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، خلال اجتماعه بعدد من المسؤولين العسكريين في القوات المسلحة الإيرانية، في التاسع من نيسان/ أبريل الماضي، أن الحضور المقتدر للقوات البحرية في المياه الإقليمية والحرة مؤشر على “العزة” الوطنية للشعب الإيراني، واقتدار النظام الإسلامي، وكذلك رسالة “عزة” للشعوب، مضيفًا أن المرحلة الراهنة هي “مرحلة عزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

تعبير “العزة الإيرانية” ليس جديدًا في قاموس ملالي طهران، لاعتقادهم أنهم باتوا يملكون القوة العسكرية التي يمكن أن تفرض شروطهم في الصراعات الإقليمية، فمنذ انقلاب الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على العاصمة “صنعاء”؛ بدأ الحديث أن صنعاء أصبحت رابع عاصمة عربية تسيطر عليها طهران، بعد بيروت وبغداد ودمشق، دون أن يزعج هذا الحديث أيًا من سَدَنَة تلك العواصم.

وأضاف علي يونسي، مستشار الرئيس حسن روحاني مؤخرًا، أن “إيران أصبحت إمبراطورية عاصمتها بغداد”، في استعادة صريحة، أو مكنية، لأحلام الإمبراطورية الفارسية، متجاهلًا بذلك كل الأعراف الدبلوماسية، دون أي اعتراض من الرئيس روحاني المحسوب على تيار حمائم الملالي.

بل ذهب الرئيس حسن روحاني، في رده على دعوة وزير الخارجية الأميركية السابق ريكس تيلرسون إلى “سحب المقاتلين الأجانب من العراق، وخاصة الميليشيات الإيرانية”، إلى التساؤل بصيغة استنكارية: “هل يمكن اتخاذ قرار حاسم في العراق وسورية ولبنان وشمال أفريقيا والخليج، من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار!”.

لنكتشف أن الأمر لم يعد يرتبط بأربع عواصم عربية فقط؛ إذ امتدت “العزة الإيرانية” إلى باقي دول المنطقة العربية، من شمال أفريقية حتى الخليج، كمناطق يشمل كل منها عددًا من الدول ذات السيادة، فإذا راجعنا الحالة السياسية والاقتصادية للعواصم الأربع المعنية بداية؛ اكتشفنا أن المقصود بـ “العزة الإيرانية” ليس أكثر من التحكم في هذه العواصم، من خلال زعزعة استقرارها، وزرع الفوضى العامة فيها، التي يأمل ملالي طهران بامتدادها إلى مناطق شمال أفريقيا ودول الخليج عمومًا!

ومما لا شك فيه، أن هذا الأمر يفترض بناء قوة عسكرية، كان قد شرع المرشد الأعلى روح الله الخميني بتنظيمها، حين عاجلته الحرب العراقية، فأوجد تنظيم “الحرس الثوري الإيراني” أو “الباسدران”، و”قوات تعبئة الفقراء والمستضعفين” التطوعية، التي عُرفتْ باسم “الباسيج”، وكلاهما يتبع مباشرة للمرشد الأعلى، وتشير بعض الدراسات أن تعداد “الباسيج” الذي تأسس عام 1979، يقدر الآن بخمسة ملايين متطوع، قابلين للزيادة والنقصان حسب الطلب، جلّهم من فقراء الريف الذين يبحثون عن لقمة العيش، عبر الرواتب والاستثناءات التي يحصلون عليها، كتخصيص 40 بالمئة من مقاعد الجامعة لهم، لندرك كيف أصبح 65 بالمئة من موظفي الدولة في إيران أعضاء فاعلين في هذه المنظمة!

يلعب المنتسبون إلى هذه التنظيمات أدورًا كثيرة داخل إيران، كالمشاركة الأمنية في قمع حركات الاحتجاج والتظاهرات، وتنظيم الاحتفالات الدينية، والإشراف على دُور العبادة والخدمات الاجتماعية أيضًا، لكن الدور الأكثر أهمية لها تجلى في حقل “الحروب الخارجية”، بدءًا بالحرب مع العراق، وصولًا إلى ما تشهده العواصم العربية الأربع حاليًا، حيث قال المرشد الأعلى للثورة الإمام علي خامنئي، منذ 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، بخصوص الدور الخارجي لهذه القوات: إن إيران “أصبحت غير قابلة للهزيمة، بسبب وجود الفكر والعمل الباسيجي الذي وصل إلى العراق وسورية ولبنان وغزة، وسيصل إلى القدس المحتلة قريبًا”.

هذا ما أكده نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي، أواخر عام 2014، في الذكرى 35 لتأسيس “الباسيج” قائلًا: إن فكر “الباسيج” أصبح الآن “ينتشر في أنحاء العالم الإسلامي وجماعات المقاومة في فلسطين ولبنان، بما يتماشى مع الاستراتيجية الإيرانية”، بما يعني أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على “الحروب الخارجية” لجيوش المتطوعين “الباسيج”، التي تنمو باطراد من حيث العدد والعتاد، لكنها بالمقابل تستنزف الاقتصاد الإيراني على نحو مضطرد، فأغلب العوائد النفطية وفوائد إحياء التجارة والاستثمار مع العالم الخارجي، تذهب بصورة شبه كاملة إلى تلك القطاعات العامة، إذ تسيطر ميليشيات “الحرس الثوري” ومعها قوات “الباسيج” على نحو 60 بالمئة من الأصول الاقتصادية في البلاد، كالمنشآت والمصانع والموارد الخام، ليذهب عائد هذه الأصول حصرًا إلى تمويل تلك الحروب الخارجية.

تُشير الإحصاءات الرسمية إلى أن 11 إلى 12 مليون إيراني يعيشون الآن تحت خط الفقر المطلق، فيما يضيف تقرير لغرفة التجارة الإيرانية أن 33 بالمئة من الإيرانيين يرزحون تحت خط الفقر، وفي تقديرات أخرى ترتفع النسبة إلى أكثر من نصف عدد السكان.

ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وزيادة الأسعار والضرائب، كانت من أهم العوامل الكامنة وراء الاحتجاجات الاقتصادية، في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2017، التي اندلعت في أكثر من 100 مدينة وبلدة كبيرة، وعلى الرغم من شدة القمع، فإن هذه الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات ما تزال مستمرة بشكل متقطع، خلال الأشهر التالية من هذا العام، لأن أسبابها العميقة ما زالت تستعصي على الحل، بل هي تتفاقم باضطراد، مع ازدياد تدهور قيمة صرف العملة المحلية “التومان” مقابل الدولار؛ على إثر تهديد إدارة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ليشعل لهيب الأزمة الاقتصادية المضطرمة، حيث عجزت الدولة لأشهر خلت عن دفع رواتب الموظفين؛ ما حدا بالمصرف المركزي، في 11 نيسان/ أبريل الماضي، إلى تحديد سعر صرف للدولار الواحد بقيمة 37814 تومانًا، فيما وصل سعر الصرف في السوق الموازي إلى 55200 تومانًا، ويقول مدير أحد مكاتب الصرافة في طهران: “إن الحكومة لا يمكنها أن تفعل أي شيء، عندما يدب الذعر في السوق، وإذا خرجت أميركا من الاتفاق النووي؛ فقد تنهار العملة الإيرانية لتبلغ 70 ألف تومان أو أكثر مقابل الدولار”!

يبدو أن السلطة التنفيذية استشعرت خطورة الأزمة، وهو ما دفع الرئيس حسن روحاني إلى التصريح مؤخرًا بأن “على جميع القادة أن يستمعوا لمطالب الشعب، لأنكم ستواجهون مصير الشاه الراحل، إذا تجاهلتم الاستياء الشعبي”، فيما يُصر المرشد الأعلى للثورة، على الرغم من كل المؤشرات الاقتصادية، على الحديث عن “مرحلة من العزّة، وأن قوة النظام ستتعاظم رغم أنف الأعداء”!

ألا تذكّر “العزة الإيرانية” بحال الاتحاد السوفيتي السابق، في لحظة تصعيده العسكري لما سمي “حرب النجوم” في تلك الفترة؟ ومخاطر القوة العسكرية، التي تزرع أوهامًا مخاتلة حول قوة الدول وعزتها، إذ انهار “الاتحاد السوفيتي” السابق، بكل سلاحه النووي، من دون إطلاق رصاصة واحدة ضده.

وللمقارنة، فإن أوهام “الاتحاد السوفيتي” السابق، حول تصدير النموذج “الاشتراكي” إلى دول ما كان يُعرف بحركات التحرر العالمي، ومنها كل أنظمة الديكتاتوريات العسكرية في المنطقة، لم تكن أقلّ من أوهام المرشد الأعلى ومعه باقي الملالي، حول تصدير “الثورة الإسلامية” إلى دول المنطقة أولًا، وإلى العالم بأجمعه.

وإذا كان العامل الاقتصادي هو الحاسم في انهيار الاتحاد السوفيتي السابق؛ فإن إيران تختزن الكثير من العوامل الإضافية، ربما يكون في طليعتها اعتماد الثيوقراطية المذهبية، ممثلة بالمرشد الأعلى للثورة، مرجعيةً لكل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفق المادة 57 من الدستور.

إشكالية هذه الثيوقراطية أنها تريد إعادة عقارب الزمن إلى الخلف، وأن تستعيد التناقضات المذهبية لعصور غابرة، في مجتمع يقوم على تنوع قومي ومذهبي مضطهَد، مع قمع للحريات العامة المتعلقة بجوانب الحياة الاجتماعية والثقافية كلباس المرأة وحريتها، أو حرية التعبير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كل هذه التفاصيل تصبح أشد كثافة في ظل فساد اقتصادي، وبيروقراطية نهبت موارد إيران، لتصدير ثورتها المزعومة.

فكيف إذا جاء ذلك في إطار غير مستقر، من حيث علاقات الدولة بمحيطها الإقليمي، التي تقوم على الحرب والإخضاع، منذ حرب العراق إلى احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، وصولًا إلى دورها التخريبي وطموحاتها التوسعية في المنطقة ككل؟

في المحصلة، نجد أن الثورة الإسلامية التي تمجد “العزة” و”القوة العسكرية”، بدأت تأكل أبناءها في الداخل، حين أكلت الاقتصاد الإيراني، عبر ظواهر الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة.