مقالات الرأي

سياسة التهجير إلى أين؟

يُشكّل الخامس من حزيران/ يونيو 2013 تاريخًا فارقًا في مسار الثورة السورية؛ ففي ذلك التاريخ، استطاع النظام السيطرة على مدينة القصير جنوب غربي مدينة حمص، كتتويج للتعاون بين النظام و”حزب الله” وإيران، ولتبدأ معها سياسة التهجير القسري والتغيير الديموغرافي.

كانت القصير المكان الأول الذي جسد عمليًا بدء سياسة متكاملة للتغيير الديموغرافي الذي يعدّ، وفق البروتوكولات الأربع لاتفاقيات جنيف عام 1949، ومن ثم الملحقين بهما لعام 1977، بمنزلة الإبادة الجماعية.

يعتبر التهجير “جريمة حرب موصوفة”؛ ذلك أن التهجير لم يحصل نتيجة هزيمة عسكرية، ولا نتيجة نزوح إرادي للسكان بفعل الحرب، بل نتيجة دفعهم إلى الرحيل، عبر استخدام وسائل الضغط والترهيب والاضطهاد.

وفق القانون الدولي، التهجير القسري هو “ممارسة منهجية، تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة، تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية، بهدف إخلاء مدن وقرى وأراض معينة، وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلًا عنها”.

ولإدراك النظام ذلك، لم يعتمد الأسلوب العسكري المباشر لعملية التغيير الديموغرافي والتهجير القسري، وإنما استخدم أساليب غير مباشرة، عنوانها الظاهري اتفاقات بين الجانبيين، لكن مضمونها يقوم على الحصار الاقتصادي الخانق الذي دمّر، مع مرور السنين، كامل المنظومة الحياتية، ثم اللجوء إلى التهديد بالقصف، وفي أحسن الأحوال القبول بالمصالحة والانضواء تحت كنف النظام، مع ما يترتب على ذلك من اعتقال وإهانات للسوريين رجالًا ونساء.

اعتمد النظام التهجير القسري بهدف إضعاف المقاومة المدنية للسنّة، من خلال استبعاد المقاتلين مع عائلاتهم عن مناطقهم، والإبقاء على البقية التي أصبحت بلا أنياب، بعدما استهلكت الحرب رصيدها الاجتماعي، في وقتٍ اعتمد التغيير الديموغرافي خصوصًا في القلمون الغربي من حمص شمالًا، إلى مضايا والزبداني جنوبًا، فهذه المناطق تشكل المقابل السنّي للانتشار الشيعي في لبنان، وكانت السياسة الإيرانية واضحة في ضرورة إجراء تغيير ديموغرافي.

كان اتفاق المدن الأربعة (الزبداني ومضايا/ كفريا والفوعة)، الذي نفّذ في 12 نيسان/ أبريل العام الماضي، تتويجًا لمسار التغيير الديمغرافي، فيما كانت اتفاقات الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي تتويجًا لسياسة التهجير الجماعي.

لم يضطر النظام، في الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي، إلى اعتماد التغيير الديموغرافي؛ لأن هذه المناطق لا تشكل تهديدًا بالمعنى الديموغرافي أولًا، ولا إمكانية لتوطين سكان جدد، بسبب خصوصيتهما الجغرافية، ثانيًا.

التهجير الجماعي يحقق الغاية في القلمون الشرقي كما الغوطة الشرقية؛ فالقوى السنية التي تشكل تهديدًا وقوة أصبحت خارج المعادة، وهذا أمر كاف بالنسبة إلى النظام، أما من بقي فلا حول لهم ولا قوة.

التغيير الديموغرافي سار بقوة في القلمون الغربي، من أجل تغيير الهوية الاجتماعية والسكانية للشريط الحدودي بين سورية ولبنان، والحيلولة دون نشوء كتلة سنّية تاريخية، من شأنها أن تهدد النظام مستقبلًا.

ليس مصادفة أن يتم نقل أهالي كفريا والفوعة إلى مدينة القصير، المقابل السوري لمنطقة الهرمل اللبنانية، حيث الغالبية الشيعية، في حين أن هناك نحو سبعين ألفًا من أهالي القصير في لبنان، ممنوعون من العودة إلى مدينتهم، وهو ما ظهر في الاتفاق الذي كشف منذ أكثر من عام، بين “حزب الله” والمعارضة السورية، الذي يقضي بعودة أهالي القلمون إلى مدنهم وبلداتهم، باستثناء أهالي القصير.

خطة إيران و”حزب الله” واضحة، وهي إقامة شريط حدودي سوري مع لبنان، لا يشكل فيه السنّة الثقل الحقيقي، عبر توطين جزء من الشيعة في هذه المناطق؛ لتشكيل عمق استراتيجي يحمي شيعة لبنان، في حال حصول تطورات في لبنان.

كما أن من شأن هذا التغيير الديموغرافي أن يضعف العمق الاستراتيجي السوري لسنّة لبنان، في منطقة عكار التي ترتبط بامتداد تاريخي مع نظرائهم السنّة في حمص، والعكس صحيح.

وفق كثير من الدراسات، لا سيما الغربية منها، لن تعود سورية إلى سابق عهدها؛ فقد ضعفت بعض المجموعات بشكل واضح، وربما يستمر ضعفها على المدى الطويل، في حين قويت مجموعات أخرى، ومستوى القوة والضعف لا يتناسب إطلاقًا مع الحضور الديموغرافي لكل مجموعة، وما جرى خلال السنوات الماضية في سورية يشبه كثيرًا ما جرى عقب انفصال باكستان عن الهند، عام 1947.

لكن الأرقام في مناطق سيطرة النظام بدَت متساوية تقريبًا، حيث شكلت الطوائف العلوية والدرزية والمسيحية ما يقارب 40 بالمئة من السكان، على حساب الحضور السنّي.

إن استمرار الأزمة السورية، من دون إيجاد حل بإشراف دولي، سيبقي نحو خمسة ملايين لاجئ خارج سورية؛ ذلك أن طول فترة الإقامة في الخارج قد تُصعب عملية العودة، في ظل انعدام الأفق الاقتصادي داخل سورية، وهو ما يعوّل عليه النظام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق