قضايا المجتمع

شبهة فساد مالي تُعيق تعليم الأطفال السوريين

 

تُعدّ التمويلات التي يقدمها المانحون، في إطار الاستجابة للأزمة السورية، أساسيةً لتمكين البلدان المُضيفة من زيادة قدرة المدارس على الاستيعاب، وبناء المدارس وترميمها، وتوظيف المدرّسين وتدريبهم، وإعداد برامج موجهة للأطفال المنقطعين عن الدراسة.

في شباط/ فبراير 2016، تعهد المانحون في مؤتمر لندن، بأكثر من 11 مليار دولار، على شكل مساعدات تمتد عدة سنوات؛ لتحقيق أهداف مثل الوصول إلى نسبة التحاق كاملة بالتعليم في البلدان المضيفة للاجئين في 2017. ولكن المبالغ التي صُرفت ما زالت إلى اليوم غير معلومة. وقد ذكرت منظمة (عالمهم/ TherWorld)، وهي منظمة غير حكومية تركز على التعليم، في تقرير أصدرته في آب/ أغسطس، أن “أغلب المانحين لم يلتزموا بأبسط معايير الشفافية”.[i]

في تقرير لمنظمة (هيومن رايتس ووتش)،[ii] أعدّته بغية تذكير الجهات المانحة بما يلزم عمله، تحدثت المنظمة عن امتناع الجهات المانحة -ما عدا المملكة المتحدة- عن إعداد تقارير مُفصّلة عن الأموال التي دفعتها؛ ما جعل تحديد مقدار الدعم المقدم من جانبهم، لتمويل التعليم في كل بلد مُضيف، أمرًا مستحيلًا. وفي التقرير نفسه، ذكرت المنظمة أنّ التقارير المُتعلّقة بتتبّع الأموال العامة وغيرها تفتقر إلى كثير من المعلومات الضرورية، لمعرفة أكان التمويل يعالج العقبات الرئيسية التي تعرقل تأمين التعليم اللازم للأطفال السوريين أم لا! وهكذا، فإن أهداف التمويل التي وضعتها الجهات المانحة لم تتحقّق في الأردن ولبنان. وقد وجدت منظمة (عالمهم: Therworld) وجود تناقضٍ، بين البيانات المالية التي تقدمها البلدان المانحة، والبيانات الواردة في خطة المساعدات المُنسّقة مع الأمم المتحدة، والبيانات التي تقدمها البلدان المضيفة (لبنان والأردن).

السبب الرئيس في هذا التضارب في البيانات هو غياب التقارير المُفصلة من قبل المانحين من جهة، وعدم سعي البلدان المُضيفة إلى فصل الأموال والهبات وتنظيمها وفق القطاعات والغايات المخصصة لها، من جهة أخرى.

وعلى ذلك؛ لا يمكن معرفة أكان المانحون قد وفوا بتعهّداتهم وقدّموا المعونة في الوقت المناسب أم لا، وكذلك الأنشطة المموَّلة أكانت تعالج العقبات الرئيسة التي تحول دون حصول السوريين على التعليم أم لا؟ وهو الأمر الذي شجع البلدان المضيفة على صرف تلك الأموال بالكميات التي تشاء! وعلى البنود التي ترغب فيها! ما دعا منظمة (هيومن رايتس ووتش) إلى التحذير من “احتمال وجود شبهة فساد”، من جانب البلدان المضيفة، وهو ما يؤثر سلبًا على بلوغ الأطفال السوريين حقهم في التعليم، فعلى الرغم من أن لبنان والأردن فتحت أبواب مدارسها أمام الأطفال السوريين، فإنها أبقتها مواربة، وبالتالي لم تُسهّل لهم الدخول إليها؛ حيث ما زال أكثر من 530 ألف طفل سوري في هذين البلدين محرومين من التعليم، ويمثلون 40 بالمئة، ممن تراوح أعمارهم بين 3-18 سنة، ويتهدد الملتحقين بالمدارس خطر الانقطاع أو التسرب، لوجود صعوبات جدية أمامهم، تؤدي إلى خفض نوعية التعليم الذي يحصلون عليه؛ ما يدفعنا إلى عدم الاطمئنان إلى فاعلية التعليم، بوضعه الراهن، كعامل مهم في تكوين شخصياتهم.

قد يكون الغموض المحيط بالمبالغ المسلّمة للبلدان المضيفة، وسبل تصرفها بهذه الأموال، والتناقض بين بيانات الجهات المشرفة على برامج تعليم السوريين وبيانات الجهات المنفذة لتلك البرامج، أحد أسباب تردد المانحين في تقديم الدعم الإنساني للسوريين، ففي مؤتمر (بروكسل-1) المنعقد في نيسان/ أبريل 2017، تمّ التعهد بستة مليارات دولار أميركي عن عام 2017 للدعم الفوري وطويل الأجل، و3.7 مليار دولار لعام 2018 وما بعده. وفي (بروكسل-2) المنعقد في نيسان/ أبريل 2018 بلغت قيمة الوعود 4.4 مليار دولار؛ ما دعا مدير منظمة تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إلى إطلاق تحذير من احتمال وقف بعض برامج دعم السوريين؛ إذا لم يتم الحصول على التمويل اللازم والمقدر بـ 9 مليار دولار.

لقد أكدت دراسات كثيرة أن الطفل الذي لا يتاح له الالتحاق بالمدرسة، خلال فترة التشرد، قد لا يستطيع أبدًا أن يستعيد ما فاته من فرصة التعليم، وقد يُحرم بذلك من فرص كثيرة في المستقبل. فالأطفال أقلّ قدرة على حماية أنفسهم، حين تُنتهك حقوقهم، وهم أقل قدرة على الاستفادة من أشكال الحماية التي قد تكون متاحة لهم. فضلًا عن تزايد مخاطر الزواج المبكر وعمالة الأطفال والتشرد، والتعرض لانحرافات سلوكية والالتحاق بجماعات متطرفة.[iii]

[i] Kevin Watkins (Their world), “No lost generation – holding to the promise of education for all Syrian refugees,” August 2, 2016, http://youthstories.aworldatschool.org/the-promise#chapter-1296657 (accessed September 2, 2016).

 

[ii] هيومن رايس ووتش ((HRW، تعليم اﻷطفال اللاجئين السوريين: ما يتعين على المانحين والدول المضيفة القيام به لتعليم اﻷطفال السوريين اللاجئين، سبتمبر /أيلول 2017.

[iii] When I Picture My Future, I See Nothing, Barriers to Education for Syria Refugee Children in Turkey. November 8,2015. pP.38-39

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق