أدب وفنون

قليل من الحيادية يجرّم الأسد

أن تكون حيادًا لا يعني أن تكون شاهدَ زورٍ. أن تكون حياديًا لا يعني أن تغدق مساحيق التجميل على وجه الجريمة القبيح، بل على العكس حيادك يجعلك أقدر على التوصيف القانوني الدقيق. أن تكون حياديًا ناطقًا باسم المجتمع، لا يعني أن تُسلب حريتك في القول والفعل لصالح ميزان القوى، بل إنَّ حيادك هو الذي يمنحك قوة القول في الحقيقة. ليست الحيادية أن تطفي على الجرائم لغة الدبلوماسية، بل أن تكون واضحًا بألفاظٍ عاريةٍ أمام الجميع.

دفاعُك عن المدني والمجتمع المدني لا يعني أن تلبس قفازك الأبيض، وتنسى أن هناك الآلاف مِن المعتقلين، منهم مَن قضى تحت التعذيب في جريمة العصر الكبرى. كان مطلوبًا منك أن تكون حياديًا، لا أن تكون بلا ضمير. كان مطلوبًا منك أن تكون حياديًا، ولكن ليس بلا أخلاق، كان مطلوبًا منك أن تكون حياديًا، وليس أن تحوّل الاعتقال والإخفاء القسري والقتل تحت التعذيب، إلى مجرد احتجاز! كان مطلوبًا منك أن تمثل المجتمع لا أن تمثل عليه دور النزيه الذي لا ينتمي إلى أطراف الصراع. كان مطلوبًا منك أن تعطي توصيفًا دقيقًا للتهجير القسري، لا أن تلتف عليه بألفاظ قد تعنيه وقد تعني شيئًا آخر.

تجريم الكيمياوي لا يندرج تحت نقض الحياد، والإبادة الجماعية والتحريض الطائفي لا يخدش حياء الحياد، بل يحمي ضميرك من الإصابة بنقص المناعة المكتسب. لم يكن مطلوبًا منكم أن تفكوا الحصار الاقتصادي عن مجرم حربٍ، لديه خطوط إمداد جوية وبحرية، ولديه إيران، والحرس الثوري الذي يساند طائفيته، ويرسل شحنات الموت والقتل إلى المجتمع الذي أنت تمثله.

إنَّ فتح القنصليات لن يخدم المجتمع المدني الذي تمثله، لأنَّه أصبح شريدًا طريدًا، وليست القنصلية همَّه وغايتَه، ولا هي مدرجة على جدول بؤسه وشقائه، إنَّما هي همّ وغاية اللاهث وراء إعادة تأهيل الإجرام، وجعل هتلر يلبس ثوب الأم تريزا، ألا وهم عملاء الأفرع الأمنية الذين مثلوا إرادة المجتمع المدني لدى المجرم.

نعم هذا المجتمع المدني بالمنظمات الشعبية، التي تمثله والتي راحت تنسج التوافقات مع حياده، دون النظر إلى أنه غير محايد، يتهم نصف شعب سورية بالإرهاب، فقط لأنه يرفض أن يعيش تحت ظله أسياده.

نعم، تصور قمة الحياد الذي يتمتع به شركاؤك، وأنتَ توقع معهم توافقًا بما يمليه عليك عجوز بلغ من الجرم الأخلاقي أن يقيس العدالة بميزان القوى على الأرض، ويجعلك تنطق بالحقيقة بقدر ما تسيطر على الأرض.

أن تكون محايدًا لا يعني أن تعمى وتشيح بنظرك عن شهداء القصف الجوي، والنابلم والكلور، والسارين، وتقول بوقف العنف، وكأنَّ المجتمع المدني الذي تمثله هو مجرد صدى لذاك المجتمع الذي يتمتع بكل شيء، ما دام يلهج لسانه بذكر القائد. أن تكون حياديًا لا يعني أن تخجل من ردة الفعل، بل أن تدين الفعل والفاعل.

أن تكون على الحياد هذا يمكّنك من الجهر بحقيقة أنَّ هناك نصف مليون ضحية، لم يموتوا بالطاعون ولا بالجدري بل بالقصف المنهجي، وأنَّ هناك مدنًا اختفت، وأنَّ هناك شعبًا هجّره مجرم واحد قرّر أن يحرق البلد ليبقى، ودمّر بيوتهم فقط لأنهم قالوا لا. أليس من الحياد أن تقول حدثت جريمة موصوفة بحق هؤلاء أم أنَّ الضرورات تبيح لك المحظورات؟!

أن تكون منتميًا إلى منظمة مجتمع مدني، فيجب عليك أن تتحلى باللغة الأنيقة التي تجرم الضحية، وتحملها مسؤولية الولادة في عصر التقيؤ الفكري الذي جعلك أحد أدوات المجتمع المدني فيه. إنَّ جُرم حيادك لا يقل عن جريمة الفاعل الأصلي؛ لأنَّك جمّلتَ له بشاعة جرمه، وساعدته في الظهور بمظهر الضحية.

أن تكون حياديًا يجعلك حقًا ترى أن لا مجتمعَ مدنيًا منتظمًا بجمعيات ومنظمات، تحت سلطة جزار يجرّم على البوست، والتغريدة، والرأي، فكيف اقتنعت أصلًا بأنَّ الوحوش قادرة على لبس (التوكسيدو) و(الببيون) ورقص التانغو؟ مَن الذي أنساك حقيقةَ أنَّ المجتمع المدني هو الذي ثار على الجزار، وأن المجتمع المدني هو الذي ذاق الويلات، وأنَّ المجتمع المدني هو الذي دفع -وما يزال- ثمن قوله لا. مَن الذي أنساك أنَّ المجتمع المدني والانتماء إلى إحدى منظماته كان -وما يزال- جريمة يعاقب عليها أمنيو القائد المفدى، الذين اجتمعت مع ممثليهم على هيئة منظمات؟! قليل من حيادك كان كفيلًا بتجريم الأسد، وليس الشعب الذي مثلت عليه لاهثًا وراء رفع مستوى تصنيفك، من صوت المجتمع إلى صدى الداعم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق