تحقيقات وتقارير سياسية

من داخل الصندوق: الائتلاف وأحواله

قد يبدو الحديث “من داخل الائتلاف” لعضوٍ شارك في تأسيسه، واستمر فيه حتى الآن، غير موضوعي لدرجة ما، خاصة أن سمعته بين معظم السوريين تراجعت كثيرًا، وهناك اتهامات متعددة بالجملة، وفيض من النقد، وحتى الشتائم، ومحاولات لم تنقطع لإيجاد بديل ما، جميعها لم تتجسّد، والأسباب كثيرة.

بالأصل، كان المجلس الوطني محاولة سورية، لإيجاد هيئة للثورة تُمثلها وتُعبّر عنها، وقد قام بسرعة عبر مبادرة من بعض الناشطين الذين كان يغلب عليهم الاتجاه الإسلامي العام، حيث قاموا هم باختيار نحو 73 عضوًا، معظمهم لم يكن معروفًا بتاريخه المعارض، وقد أقنعوا برهان غليون ليكون على رأسه، ضمن تجربة افتقرت إلى الخبرة والتنظيم وتحديد المسؤوليات.

تحت ضغط بعض القوى والتشكيلات؛ توسّع العدد ليشمل ممثلين عن الإخوان المسلمين وغيرهم من القوى السياسية، ومع ذلك ظلّ الضغط قويًا للمزيد من التوسع، خاصة تحت عناوين إشراك الحراك الثوري، وكانت تلك الفترة تعجّ بمئات التنسيقيات والهيئات التي تبلورت، كالهيئة العامة للثورة والمجلس الأعلى للثورة ولجان التنسيق وغيرها، فدخلت بأعداد ملموسة، ومع ذلك ظلّت إشكالية التمثيل قائمة أمام نهم السوريين وانتقادهم للغير، طالما لم يكونوا هم داخله؛ فعرف المجلس توسعًا فوضويًا أنهكه، وأثقله ليكون أحد عوامل نهايته حين وصل العدد إلى أكثر من 650 عضوًا، ثم “عملية الترشيق” التي جرت وسط جو مشحون من سخط الذين أُبعدوا، ليستقر العدد بحدود 425، وكان هذا الرقم عبئًا يضاف إلى أزمة المجلس التي هي بالأصل جزء من أزمة المعارضة، وافتقار الثورة إلى قيادة من صلبها.

يرى البعض من أعضاء المجلس الوطني أن استهدافه وإنهاءه جاء نتيجة مواقفه الوطنية الرافضة للإملاءات الخارجية، بينما في الحقيقة هناك عدة عوامل متضافرة، اجتمعت لإطلاق رصاصة “الرحمة” عليه واستبداله بالائتلاف.

رفض المجلس بيان (جنيف 1) الصادر في حزيران/ يونيو 2012، وعدّه قرار تسوية يخدم النظام، وحين رعت الجامعة العربية مؤتمر القاهرة للمعارضة أوائل تموز/ يوليو 2012، وكان الأوسع تمثيلًا ونتائجية، خاصة في وثيقتي العهد والمرحلة الانتقالية؛ رفضت قيادة المجلس الموافقة على لجنة متابعة تكون خلاصة مخرجات المؤتمر، ووسيلة لنوع من توحيد مواقف قوى المعارضة، من منطلق أنها مؤامرة محبوكة ضدّ المجلس لإضعافه وتغيير مواقفه الصلبة، لإدخال “هيئة التنسيق” وبعض الجهات المعارضة المرفوضة من قبل تلك القيادة، وكان الموقفان السبب الرئيس للبحث عن بديل بدت سمات الضغط الخارجي قوية فيه، فكان الائتلاف برعاية قطرية ودولية محاولة لإيجاد جسم رشيق، يُمثّل مختلف القوى السورية المعارضة والمجالس المحلية، وسط سيل من الوعود بالدعم الكبير من مختلف الدول التي دعمت قيامه، وتحويل الملايين المجمدة باسم النظام لصالحه، وتوحيد العمل العسكري بقيادته، وتشكيل حكومة يمكن أن تسحب بساط الشرعية من النظام، وفي “مؤتمر أصدقاء الشعب السوري” في مراكش، كان الحشد الدولي استثنائيًا، فكان تظاهرة عالمية مؤيدة للائتلاف، بحضور أكثر من 60 وزير خارجية و122 دولة اعتبرت الائتلاف الممثل الشرعي للشعب السوري، ووعود كالسيل بمزيد من الدعم في مختلف المجالات.

ولكن، قبل أن نلقي اللوم، أو المسؤولية على الآخر الخارجي، وبكائيات السوريين المعروفة بتحميل العرب والدول نتائج ما جرى، وما يُعرف بخذلان الثورة، أو التواطؤ عليها، يجب الاعتراف بالمسؤولية الخاصة للهيئات التي قامت: المجلس الوطني ثم الائتلاف، والوقوف عند الفجوات والسلبيات التي شكّلت ثغرات مهمة لعدم القيام بالدور المأمول، وتراجع الدعم الدولي، واختلاط هذه الوضعية مع المتغيرات الخارجية.

كان الاتجاه العام الذي سيطر على سياسة المجلس الوطني منذ البداية هو الرهان على التدخل الخارجي السريع الذي سيُنهي الوضع ويُسقط النظام ويجيء بالمعارضة وقوى الثورة بديلًا. هذا الرهان لم يقم على فراغ، ولم يبد لأشهر الثورة الأولى على أنه وهمٌ، إذ إن الوضع الليبي الذي حسمه التدخل الخارجي، والوعود التي تهاطلت من ممثلي عديد الدول الأجنبية والعربية، كانت تُشجّع وتُرجّح هذا الاتجاه، وبالتالي البناء عليه في مختلف التحركات والعلاقات، وعلى سبيل المثال، كان الصراع شديدًا في أشهر المجلس الوطني الأولى على مدة وصلاحية رئيس المجلس، ورفض كثير من أعضائه جعل تلك المدة ستة أشهر بدلًا من ثلاثة، تأسيسًا على ذلك الاعتقاد بأن الأمور ستُحسم قريبًا، ويجب أن يتداول على موقع الرئاسة أكبر عدد من أعضاء المكتب التنفيذي، بكل النتائج السلبية لهذه الأفكار التي تُطيح باستقرار موقع الرئاسة والهيئات القائمة، والأكثر من ذلك تركيز جلّ الجهود والتحركات باتجاه الخارج والزيارات المتلاحقة للدول العربية والأجنبية، وما نتج عنها من إهمال للداخل، ومن الفشل في قيادة الحراك الثوري الداخلي.

حين حاولت قيادة المجلس توحيد العمل العسكري، وإيجاد مؤسسة عسكرية قائمة على الضباط والعسكريين المنشقين، قبل مرحلة تعدد الفصائلية وظهور التنظيمات الإرهابية والمتشددة؛ تبيّن أن جهات كثيرة خارجية تقف ضدّ هذه الخطوة الضرورية، وتعتبرها خطًا أحمر لا يسمح الاقتراب منه، وأن دولًا كثيرة دخلت على خط العَسكرة والتسلح، وكل منها يريد أن يكون له شيء على الأرض، ينافس الآخرين ويتصارع معهم.

مع خيبة الأمل بالتدخل الخارجي؛ اتسعت الفجوة بين المجلس والناس والمهام الواجبة والضرورية، فكانت تلك المواقف الرافضة لبيان (جنيف 1)، وإنشاء لجنة متابعة لتوحيد المعارضة في مؤتمر القاهرة، الضربة القاصمة لبقاء المجلس الوطني، وقيام الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

بالأساس، عكس تشكيل الائتلاف جزءًا كبيرًا من لوحة المعارضة السورية، وما يُعرف بالحراك الثوري، بواقع دخول ما يقرب الثلث من المجلس الوطني -كحصة- بعد مفاوضات كبيرة وتمنّع، وتخوّف أن يكون بديلًا للمجلس.

كانت الفكرة/ المبادرة تشكيل جسم رشيق بحدود الأربعين عضوًا، يمثلون مختلف أطياف المعارضة وبعض الشخصيات الوطنية، لتولي مهمة القيادة السياسية، ثم دخل ما يُعرف بمندوبي المجالس المحلية بواقع ممثل واحد لكل محافظة، كان يصعب معرفة الأسس التي اعتمدت في الاختيار، والذين منحوا دعمًا منذ البداية، في حين كان الائتلاف في بداياته ويعاني الشحّ المالي.

تجلّت الثغرة الأولى في امتناع عدد من المرشحين عن المشاركة، فهيئة التنسيق والشخصيات التي حسبت عليها من الداخل وضعت شروطًا لنسب المحاصصة فرفضت المشاركة، وكذا بعض الأسماء المعارضة، والأكراد حضروا جلسات الافتتاح ثم غابوا بحجة العودة إلى أحزابهم والمشاورة، ليستقر العدد بحدود الـ 63، وبدا الائتلاف خليطًا غير متجانس تبرز فيه بعض الإشكالات التأسيسية، ومن أبرزها:

1 – النظام الأساسي: بُني النظام (الذي لم يعدّه السوريون) على فكرة تشابه تأسيس شركةٍ لها رئيس شبه فخري بصلاحيات محددة وثلاثة نواب، شرط أن يكون أحدهم امرأة، وأمين عام بصلاحيات كبيرة، وأعضاء أقرب لأصحاب الأسهم.

في غمرة التسرّع بحجة حضور رئيس الوزراء القطري وعدد من وزراء الخارجية حفل توقيع بيان قيام الائتلاف، لم يكن هناك مجال لإعادة النظر به وصياغته، كتحالف سياسي بالدرجة الأساس، وكان الاختلاط كبيرًا بين كونه ائتلافًا سياسيًا معدًّا لقيادة الثورة، وبين ملامح قريبة من تشكيل وصلاحيات مجالس الشعب، ولم ينصّ، مثلًا، على وجود هيئة سياسية تقود العمل بين دورتي الهيئة العامة، وحين جرت محاولات لإجراء تغييرات مناسبة، اصطدمت بعقبة تأمين ثلثي الأصوات لتعديل أي مادة، وكان ذلك صعبًا. وقد احتاج تعديل بعض البنود والصلاحيات إلى وقت طويل استغرق بضع سنوات وتدرّجات، وجهود مختلفة التلاوين، وبما أحدث نوعًا من الاختلاط بين صلاحيات الرئيس والأمين العام ولصالح الأخير بما يتيح التغول ويضعف موقع الرئيس.

2 – ظلّت الإشكالية الكبرى كامنة في واقع المعارضة الضعيف، والمشتت وغير المتجانس، حيث كانت المعارضة التقليدية تعاني تجارب العقود، وعمليات الحصار والمطاردة والاعتقال وما ولّدته من أزمات بنيوية وسياسية فيها، بحيث بدت عاجزة عن تولي قيادة ثورة بمثل ذلك الحجم والتعقيد، وظهر الافتقار إلى الانسجام نتيجة طبيعية لضعف التجارب التحالفية والعمل المشترك، والعقل الجماعي والمؤسسي الذي ظلّ مُفتَقرًا على مدار السنوات.

من جهة ثانية، فإن مندوبي المجلس الوطني -إن جازت التسمية- الذين شعروا بنوع من الإرغام في مشاركتهم، تعاملوا مدة غير قصيرة من موقع المنافس، واحتاج الأمر إلى وقت لحدوث نوع من الاندماج والانسجام، وقبول الائتلاف كممثل شرعي، وبديل للمجلس الوطني.

من جهة ثالثة، كان افتقار الثورة إلى قيادةٍ تولد من صلبها، عاملًا سلبيًا شديد التأثير، لم تعوضه جميع محاولات التوسعة باسم الحراك الثوري تارة، أو الفصائل العسكرية والأركان لاحقًا، وبدت الفجوة واسعة بين أجيال الثورة التي كان لها دورها البارز في قيامها وبين المعارضة التقليدية، وهي الحالة التي ازدادت اتساعًا مع مرور السنوات، والابتعاد عن الشارع، وجماهير وفعاليات الثورة.

3 – على الرغم من أن مرور الوقت أكّد عقم الرهانات على التدخل الخارجي، وأن الاتجاه الدولي السائد ليس ضد الحسم بالقوة وحسب، بل هو مع ديمومة النزيف السوري إلى مستوى معين، ظلّ التركيز على العلاقات الخارجية ولقاء الدول الإقليمية والعربية، وما يعرف بأصدقاء سورية هو الغالب، وعلى حساب المهام الداخلية وبناء شبكة علاقات مستدامة مع قوى الثورة وفعالياتها وجماهيرها، والنهوض بالأعباء الرئيسة التي ازدادت ثقلًا وتشعبًا مع تعمّق المأساة السورية ومستلزماتها الثقيلة، والتي لم يكن ممكنًا للائتلاف النهوض بها في ظلّ الوضع المالي المستند إلى دعم بعض الدول الإقليمية والعربية، وبمستوى دون الحدّ الأدنى المطلوب.

لقد خلقت هذه التوجهات فجوة تتسع بين الائتلاف والناس، لم تستطع ردمها بعض الزيارات المتقطعة، واللقاءات المناسباتية، وحين تراكبت هذه الوضعية مع تراجع الدعم الدولي من جهة، وبروز العَسكرة وما التهمته بات صعبًا تدارك الوضع، حتى بعد تشكيل حكومة مؤقتة بغاية تنفيذية، فشلت بدورها في تحقيق الأهداف التي أنشئت لأجلها.

4 – العَسكرة ومفاعيلها: انتقال الثورة من السلمية إلى استخدام السلاح، وإن بدا تطورًا منطقيًا لمسار الأمور، كان شديد التأثير على هيئات الثورة، ومآلها، وعلى مجموعة من المفاعلات والمآلات، وهو ما يستلزم نقاشًا خاصًا وطويلًا، لما كان له من أثر تحوّلي في المسار والنتائج وفي دور الائتلاف وموقعه الحقيقي على الأرض.

العَسكرة التي بدأت كردّة فعل على ممارسات النظام العنفية لحماية المتظاهرين سرعان ما تطورت بسرعة إلى بديل للحراك السلمي، ثم إلى العمل السياسي، وقد نجح النظام في تحويل الصراع معه إلى صراع قوة وقتال، وصولًا إلى حالة فصائلية غرائبية التشكيل والتشتت والرايات والممارسات.

خلافًا لما جاء في وثيقة تأسيس الائتلاف، بأن أول أهدافه توحيد العمل العسكري بقيادته، تمّ تأسيس “هيئة الأركان” كجسم مستقل دون علم أو مشاركة الائتلاف، وبما وضعه في موقف هامشي لا تأثير له، ومع تطورات العَسكرة التي أبعدت فصائل الجيش الحر بأخرى تحمل رايات وأسماء إسلامية ثم بروز (داعش)، حوصر التمثيل السياسي، وأخذت الحاضنة الشعبية والرأي العام الدولي بالانزياح، ثم قُطع الدعم عن معظمها وفق اتفاقات دولية.

ظهر الائتلاف أمام هذه الوضعية عاجزًا عن القيام بالدور الرئيس المناط به، خصوصًا أن الحل السياسي لم يعرف أي تقدّم، وظلّت جولات جنيف تدور في الفراغ، وبالتالي ضعف موقع وتأثير الائتلاف في المجالين السياسي والعسكري، وكان مؤتمر (الرياض 1) محاولة لتجاوز، أو تهميش، الائتلاف بإنشاء الهيئة العليا للمفاوضات التي واجهت -بدورها- إشكالات داخلية، وأخرى على صعيد الحل السياسي، ومحاولة توسيعها عبر مؤتمر (الرياض 2) وقيام هيئة المفاوضات السورية.

كانت الأشهر الأولى للثورة، بما أظهرته من تعاضد وتعاون وانسجام بين مكوّنات الشعب السوري، مثل موج قوي يحمل داخله كل الترسبات والأماني، لكن في الوقت نفسه، حين بدأت فكرة التنسيقيات التي أبدعها الشباب بالتشكّل، تجلّت تلك الأحادية بوجود الآلاف منها، راحت تتنافس وتتزاحم وكلّ يعتبر أنه ابن الثورة، والأكثر تعبيرًا عنها.

على صعيد النخب والقوى المحسوبة على المثقفين والعلمانيين واليساريين، بدت صورة الوضع أكثر بؤسًا لجهة التمزق، والتنافس، والأحادية، ورفض قبول الآخر واقعيًا، رغم كل الشعارات الكبيرة عن الديمقراطية، والتعددية، وترك ذلك آثارَه، أيضًا، رغم بعض محاولات التجميع وعشرات المؤتمرات التي كانت تطرح خطابات وشعارات متشابهة. والأكيد أن هذه الفردانية برزت بقوة في هيئات الثورة، إن كان على صعيد المجلس الوطني أو الائتلاف، وكان ملاحظًا رغم العدد الكبير للمحسوبين على تلك الاتجاهات ضعف التنسيق بينهم، بل التوزع في تحالفات مختلفة، وإطلاق الأحكام التبريرية عن سيطرة الإسلاميين الذين كانوا يردّون بدورهم بذكر وإحصاء الأعداد المشاركة منهم قياسًا بالآخرين الذين يشكلون غلبة فعلية، لكنها تفتقر إلى التوحد، والقدرة المالية، والعقل الجماعي.

على ذكر العقل الجماعي، فقد تجلت واحدة من أكبر فجوات هيئات الثورة الفردية وضعف التعاون مع بالآخرين، والاستفراد بالقرارات، واستخدام التكتيك التحاصصي للفوز بالانتخابات، وتشكيل الكتل على أسس لا علاقة لها ببرنامج، أو بوجود تفاهمات سياسية وغيرها بقدر ما كانت الانتخابات هي الأساس، وبما أدّى إلى شلل المؤسسات القائمة، وهذا جليّ في الائتلاف عبر تعاقب الرؤساء عليه الذين نادرًا ما مارسوا العمل الجماعي واحترام المؤسسات القائمة، وفي هيئته السياسية التي يبلغ عددها 24 عضوًا، تتوازع في محاصصات لا تراعي القدرة والإمكانية بقدر الصوت الانتخابي، والقرب والبعد من هذا وذاك.

تركيبة الائتلاف التحاصصية والكتلية حدّت مرارًا من القيام بعمليات إصلاح جذرية، كما طالب بها العديد من الأعضاء، وكما نصّت عليها عديد المقترحات المكتوبة، واقتراحات اللجان التي شكّلت لهذا الغرض، والتي كانت تصطدم بالحسابات الخاصة لكل كتلة، وبالصوت الانتخابي لها.

الإخفاق والتباطؤ في إجراء الإصلاحات التي نادى بها عدد مهم من الأعضاء أدّى إلى تقديم استقالات متتابعة من قبل شخصيات لها وزنها فيه، وعلى صعيد الساحة السورية، والتي يرى معظمها، رغم وجودهم خارجه، أن لا بديل للائتلاف، وأن محاولات البحث عن بديل فشلت جميعها، ولن تثمر، خاصة أن الاعتراف الدولي به، ورغم تراخيه يعتبر ميزة كبيرة لا يجب التفريط بها، وهذا عامل مهم لبقاء عدد من الإصلاحيين داخله، ومحاولات العمل على تحسين تركيبته وأدائه، وهو ما حملته انتخابات وصول السيد رياض سيف إلى رئاسته، والقيام ببعض الخطوات التي لم تكتمل، ولم تأخذ أبعادها المطلوبة لأسباب مختلطة.

على صعيد آخر، فالرهانات التي عقدتها بعض الجهات الدولية على تكييف الائتلاف وفق مطلوبها لم تتحقق، بما خيّب آمالهم في قيامه، فقد ظلّت ثوابت الثورة مرشدًا، وخطًا أحمر لا يمكن الاقتراب منها، وتمسّك الائتلاف بمواقفه الوطنية في امتحانات كثيرة كلفته الكثير، ومحاولات نزع وحدانيته كممثل للشعب السوري، وقد تجلى ذلك في رفضه مشروع الوسيط الدولي دي ميستورا بما يعرف بـ “مجموعات العمل”، أو التزحزح عن المطالبة برحيل رأس النظام وكبار رموزه، عند بدء المرحلة الانتقالية. وكان الموقف الآخر الذي طالما جرى النقاش في صوابيته برفض العرض الأميركي للانضواء ضمن التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، حين اشترط أن يكون ذلك بالتوازي مع محاربة النظام والميليشيات الطائفية التي استقدمها باعتباره يمارس الإرهاب ويرعاه.. وكانت النتيجة نزع وحدانية الائتلاف في مفاوضات جنيف، وعقد مؤتمر (الرياض 1) تحت شعار توسيع التمثيل، وقيام الهيئة العليا للمفاوضات التي تولت مختلف العمليات التفاوضية، والاتصالات السياسية التي كان كثيرها على حساب ما كان يقوم به الائتلاف في السابق، وصولًا إلى (الرياض 2) وإنشاء هيئة المفاوضات السورية تحت شعار توسيع تمثيل المعارضة نفسه، وتراجع حصة الائتلاف في الأمانة العامة ووفد المفاوضات، وبما ينعكس سلبًا على دوره الخارجي. لكنه في الوقت نفسه يشكل دافعًا قويًا لتعويض ذلك بعلاقاته مع الداخل السوري والمناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة، وفي إطار “درع الفرات” ومناطق “غصن الزيتون” التي تتولى تركيا الإشراف عليها، وهو ما يحاوله في الآونة الأخيرة وفق استراتيجية عمل واقعية.

يواجه الائتلاف تحديات كبيرة تخصّ الثورة، بل الوطن السوري المهدد بالتقسيم إلى مناطق نفوذ متعددة الجهات، لذلك هو أمام امتحانات مصيرية، إما أن يثبت قدرته على العمل المبرمج وأداء المهام الرئيسة المطلوبة، وإما سيطويه التلاشي.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق