عذرًا يا عمال سورية.. لقد خانكم “الرفاق”

منذ أن تمكنت النُظم المستبدة من الإجهاز على الحياة الديمقراطية الناشئة في سورية، على امتداد سنوات الوحدة السورية-المصرية عام 1958 وعقود حكم البعث الخمسين، لم يعد لعمال سورية عيدٌ بالمعنى الحقيقي كي يحتفلوا به.

فقد أعادت النظم الشمولية/ الأمنية التي تعاقبت على سورية، خلال السنين والعقود المذكورة، ترتيب الحياة السياسية وفق أولوياتها؛ ما أدى إلى حرمان العمال من حقوق كثيرة، نالوها بفعل نضالهم الطويل: تشكيل نقاباتهم، وانتخاب ممثليهم، وحقهم في الإضراب والاحتجاج وفي التعبير والتضامن، حقهم في تنظيم احتفالاتهم بعيدهم في الأول من أيار/ مايو، كما يرغبون، يرفعون شعاراتهم المعبّرة عن حاجاتهم وأهدافهم.

لقد حُرموا من حقوقهم النقابية، عندما تمّت تعبئتهم في تنظيمات هرمية، انضوت في إطار الاتحاد العام لنقابات العمال بقيادة حزبية، وضبط أمني صارم، تم تحويلها إلى كيانات/ تنظيمات رديفة للحزب الحاكم، تستمد منه طابعها السياسي-الأيديولوجي التعبوي، وتسهم في أنشطته المختلفة.

وازداد الطين بِلّة، عندما ضحّت الأحزاب والقوى “اليسارية-الشيوعية” التي كانت تعدّ نفسها الطليعة الواعية للطبقة العاملة، بمكتسبات هذه الطبقة، وحقوقها التي حصّلتها عبر عقود طويلة من النضال، وعلى رأس تلك المكاسب والحقوق، استقلاليةُ الحركة النقابية، وحرية عملها بعيدًا عن أي سلطة تستأثر بمصايرها.

حصل ذلك، عندما تمّ التسليم بحق البعث في قيادة الدولة والمجتمع، وارتضت أن تتحول إلى قوى حليفة/ رديفة، تسانده وتدعم قيادته، واقتصرت مهماتها على حماية النظام، والدفاع عنه ومنع سقوطه.

أغمضَت تلك الأحزاب عيونها عن ممارسات السلطة الاستبدادية، وعن انتهاكها المتكرر والعميق لحقوق الشعب وحرياته العامة، في وقت أُطلِقت فيه يد المافيات والسماسرة؟

لماذا قايض الشيوعيون السوريون وباقي القوى “اليسارية” حقوقَ الشعب في الحرية والعدالة الاجتماعية، بخطابٍ ديماغوجي شعبوي معادٍ للإمبريالية والصهيونية، وبصداقة خادعة مع الاتحاد السوفيتي؟!

لقد رجّحوا كفة الخطاب “الوطني” الذي كان لديهم بمثابة المؤشر في البوصلة، يرشدهم في نضالهم وتحالفاتهم الداخلية، انطلاقًا من مقولة مؤداها: أولوية الصراع الرئيسي/ مع العدو الخارجي على الصراع الثانوي/ مع النظام وسيئاته”. وكأن لسان حالهم يقول إن السياسة الوطنية لا يتقنها إلا المستبدون والفاسدون! غريب هذا المنطق الذي يؤدي بقوًى عريقة إلى سلوك طريق خيانة الشعب والطبقة العاملة من أوسع أبوابها.

تتضح حقيقة مواقف تلك القوى أكثر مع انفجار البركان الشعبي في وجه النظام، في آذار/ مارس 2011، حين أقدمت الأجهزة الأمنية والحزبية على تجنيد عمال بعض القطاعات الخدمية التابعة للدولة، من أجل ملاحقة المتظاهرين -إلى جانب قوى الأمن- في ساحات المدن والبلدات وشوارعها، لقمعهم وتشتيتهم، مزودين بالهراوات وباصات النقل الداخلي يتعقبون بواسطتها المتظاهرين من مكان لآخر. وأزعم، من خلال معرفتي المستمدة من الواقع أن غالبية المتظاهرين كانوا من العمال وصغار الحرفيين وباعة الأرصفة والمهمشين، القاطنين في الأحياء الشعبية وتجمعات السكن العشوائي المنتشرة حول المدن الكبرى وبخاصة في دمشق وحلب وحمص، إلى جانب الطلاب وبعض المثقفين، غالبيتهم ينتمون إلى فئات وشرائح اجتماعية عالقة وسط دوائر الفقر المركّب: الاقتصادي والتعليمي والصحي والسياسي. وعلى ذلك؛ يمكن فهم انخراطهم في ثورة الحرية والكرامة السورية؛ فقد أدركوا بحسهم العفوي أن تحررهم من متلازمة الفقر يمرّ عبر نيلهم حريتهم السياسية، فاستحقوا أقسى أنواع العقاب من النظام وحلفائه، يؤيده في ما ذهب إليه بقايا الأحزاب “القومية واليسارية”، ومنها الأحزاب الشيوعية الرسمية، حينما شاطرته رؤيته عن الانتفاضة الشعبية وعن جماهيرها، باعتبارهم أدوات طائفية مأجورة من قبل قوى خارجية ترمي إلى إسقاط النظام الوطني المعادي للرأسمالية العالمية والصهيونية.. وهكذا جنّدوا أقلامهم، ودرّبوا حناجرهم خدمةً لإعلام النظام.

ولكن، من حسن الحظ، أن جزءًا وازنًا من قواعد هذه الأحزاب انضمّ إلى صفوف الجماهير، وشارك في قيادة الحراك السلمي في العديد من الحالات.

عُذرًا، يا عمال سورية الأشراف، لقد خانكم الرفاق المُدعون مرتين: مرة عندما تحالفوا مع نظامٍ مستبدٍ شمولي شعبوي أمني وسلموا قضيتكم إليه، ومرة عندما صنفوكم أدوات للمؤامرة الطائفية ضد الوطن ونظامه المقاوم، وبرروا اعتقالكم بل قتلكم!