مقالات الرأي

عن إعادة تأسيس الحالة الوطنية السورية

بات مشهد الصراع السوري، إضافة إلى تعقيداته ومداخلاته الخارجية والأثمان الباهظة المدفوعة فيه، منذ أكثر من سبعة أعوام، يبعث على الإحباط والشعور بانسداد الأفق؛ إذ إن الأمر لم يعد يتعلق بخروج الصراع من أيدي القوى المحلية، أي النظام والمعارضة، إلى أيدي القوى الخارجية، وإنما بات يشمل سيطرة أربعة أطراف دولية وإقليمية على الأراضي والقرار السوريين، وبالتالي تحكّمها بمآلات الصراع السوري، وفرض أجندات متضاربة فيه.

هكذا، مثلًا، فإذا كانت روسيا وإيران تتحكمان بالأراضي، في وسط سورية، التي يسيطر عليها النظام، كما تتحكمان بتوجهاته السياسية والعسكرية؛ فإن الولايات المتحدة الأميركية وتركيا أضحتا تسيطران على نحو 50 بالمئة من الأراضي السورية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، في الشرق والشمال والجنوب، حيث أهم الموارد، بمعنى أن هذا الصراع لم يعد من الممكن وقفه، أو تحديد معطياته السياسية، من دون الولايات المتحدة (مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا).

في تشابكات هذا الصراع، لا يمكن الحديث عن جبهات تتموضع في مقابل بعضها، فالطرفان الإيراني والروسي، مثلًا، لا يشتغلان بوفاق كامل، ولا سيّما أن كلًا منهما يعتقد أنه أحقّ من الآخر بتقرير مصير النظام والصراع في سورية، وأنه هو الذي حمى النظام من السقوط، وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا. في المقابل فإن الطرفين الأميركي والتركي ليسا على وفاق، أيضًا، في كثير من القضايا التي تتعلق بالصراع السوري، بدليل احتضان الولايات المتحدة لطرف كردي (يعادي تركيا وتعاديه)، وبدليل انخراط تركيا في توافقات ثلاثية تضمها إلى إيران وروسيا. فوق ذلك، وعلى الرغم من كل الحديث عن أجندات روسية وأميركية مختلفة، فإن هذين الطرفين ينسقان خطواتهما السياسية والعسكرية، منذ بداية الصراع السوري، باستثناء لحظات معينة، تفيد أن الولايات المتحدة تريد إلزام روسيا بحدود معينة، أو إفهامها بضرورة الوقوف عند حدّها، وهو ما توضّح بعدد من الإيحاءات، مثل تدمير ثماني طائرات في حميميم (شباط/ فبراير الماضي)، والحؤول دون اقتراب أية قوات روسية أو إيرانية إلى شرقي الفرات. وبديهي أن “إسرائيل”، التي تدخل عبر الطرفين الأميركي والروسي لها حصتها، سواء في ما يُسمّى “منطقة خفض التصعيد” في الجنوب (مع روسيا وايران والأردن)، أو من خلال انتهاجها سياسة الردع، في محاولاتها تحجيم نفوذ إيران، والقوى التابعة لها في سورية.

على أي حال، فإن القول بخروج قواعد اللعبة الصراعية، من أيدي النظام والمعارضة، يعود إلى انتهاج النظام الخروج من قواعد الصراع السياسي، بتحويل الأمر، وكأنه صراع على الوجود بينه وبين أغلبية الشعب. حصل ذلك، أولًا، في تعمده وإصراره على انتهاج الحل الأمني ضد إرادة السوريين، لوأد تطلعهم المشروع إلى الحرية والكرامة والمواطنة، وثانيًا، بإدخاله إيران وروسيا كشركاء له في حماية نظامه، بل في قتل السوريين وحصارهم وتشريدهم، أي أنه تصرف، وكأنه أكثر من سلطة احتلال، في غربته عن شعبه وتنكره لحقوقهم.

بَيد أن كل هذا الحديث لا يعفي المعارضة، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، من مسؤوليتها عن تلك المآلات، بالرغم من ضعفها البنيوي/ التاريخي، نتاج حرمان السوريين من الحياة السياسية، والافتقار إلى تجارب حزبية وكفاحية؛ إذ إن تجربة سبعة أعوام كان يفترض منها، مع كل التضحيات والمعانات والتعقيدات، أن تنتج، أو أن تنضج، معارضين، وكيانات معارضة، على النحو الذي يتناسب مع كل الأثمان المدفوعة.

هكذا فإن السوريين اليوم ما زالوا بحاجة إلى كيان سياسي جامع، يمثلهم حقًا، ويعبّر عنهم وعن حقوقهم وتطلعاتهم، كيان سياسي يشتغل على صياغة الإجماعات الوطنية الجديدة، والهوية السورية الجديدة، وهو أمرٌ يبدو، مع الأسف، بعيد المنال أكثر من قبل، فحتى الاستقالات التي شهدناها قبل فترة، والتي شهدناها مؤخرًا، من الائتلاف أو من غيره من الكيانات، لم تستطع أن تُقدم نقدًا جريئًا ومسؤولًا للتجربة السورية، ولمسؤولية المعارضين المستقيلين، وكياناتهم، عمّا حصل، ناهيك أنها لم تستطع أن تدفعهم إلى التشجيع على خطوات تؤسس لكيانات تستطيع أن تتجاوز التجربة السابقة.

الفكرة هنا أن المعارضة السائدة، بمعظم كياناتها وشخصياتها، مسؤولة عن الإخفاقات والعثرات والمشكلات التي عانت منها ثورة السوريين، فهي مسؤولة عن انزياح الثورة ووقوعها في الاستدراج الذي أراده النظام، بذهابها نحو الصراع المسلح، والعسكرة، ووهم المناطق المحاصرة، في حين أنها على الأغلب مناطق محاصرة، وبمنزلة حقل رماية لقصف النظام. وهي مسؤولة عن الانزياح عن خطاباتها الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية إلى خطابات طائفية ودينية ضيقة ومتعصبة. أيضًا، هي مسؤولة عن التعويل على الخارج، وتاليًا الارتهان لأجندات خارجية، تختلف بل تتعارض في معظم الأحيان مع أجندات ثورة السوريين، كما أنها مسؤولة عن ضعف الخطوات الآيلة إلى إنشاء كيان سياسي جامع للسوريين.

قد يبدو هذا الكلام محبطًا، إلا أن الواقع أكثر مرارة، وأكثر وجعًا، من الحديث عنه، بمعنى أن هذا الكلام يستدعي حثّ الهمم، من أجل نبذ الأوهام والشروع في التأسيس لاستنهاض السوريين، وإيجاد الكيانات السياسية التي تعبّر عنهم، ومن ضمنها الكيان السياسي الجامع، الذي يمكن أن يمثلهم ويصوغ خياراتهم وهويتهم الوطنية.

مقالات ذات صلة

إغلاق