أدب وفنون

99 قصيدة عن القُبلة

  • لا ترسل لي قبلة في الهواء، قد تأخذها الريح، لامرأة أخرى

باتَ جليًا أن التجارب الشعرية “النسائية” كانَت، وما تزال، الأكثر إلمامًا وعنايةً بتلك الجوانب العاطفية الحميمة في حياتنا اليومية؛ سواء من جهة تناولها الشفاف لكل ما يجول في الخاطر من أدق التفاصيل، تلك الآنية وغير الآنية أيضًا، ومن ثم تدوينها، أو من حيث ترجمتها للمشاعر والأحاسيس الإنسانية، بلغةٍ شعرية صرفة، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية أو التكلف.

في مجموعتها الشعرية الجديدة (قبلة للصباح.. وردة للمساء)، الصادرة عن منشورات مؤسسة بتانة (القاهرة- 2017)، تقتفي الشاعرة المغربية فريدة العاطفي أثر شهرزاد، بطلة (ألف ليلة وليلة) من جهة، ومن جهةٍ أخرى تسير على خُطى ولادة بنت المستكفي، والتي تقول في بيتين من أشعارها:

أنــــــا، واللَهِ، أصلح للمعــــــــالـي … وأَمشـي مشيتي وأتيـهُ تيهـا

أمكّنُ عاشقي من صحن خدي … وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها

لتعلن شاعرتنا صراحةً أن “القُبلة/ طريق العاشقين/ إلى الله”. حيثُ تضمنت المجموعة، بين صفحاتها، تسعة وتسعين قصيدة/ مقطعًا شعريًا، غايةً في الاقتصاد والتكثيف اللغوي الشديد، تدور معظمها في فلك القُبلة وحدها. تقول في أحد المقاطع: “قبلة واحدة لا تكفي/ كي يمتلئ الحلم/ نجومًا/ ويصبح سماء/ …/ قبلة واحدة لا تكفي/ أيها الصديق/ كي نحمل الشمس على أكتافنا/ ونضيء بها العالم”.

الرغبة في المزيد وعدم الاكتفاء بالقليل؛ تجعل اللغة في المقطع السابق أكثر حرارةً وحماسًا وحيوية في التعبير عن سيل المشاعر الجياشة، وهو ما يفضي إليه السطر الأخير منه، حيث عبّرت من خلاله للانتقال من الحالة الخاصة (الشخصية) إلى الحالة العامة (العالم).

القُبلة مفتاح الحُلم

تنطلق الشاعرة فريدة العاطفي، في هذه المجموعة، من بيت امرئ القيس: “فقبّلتها تسعًا وتسعين قبلة/ وواحدة أخرى وكنت على عجل“، وضعته في مُستهل المجموعة، لتكتفي فيما بعد بوضع أرقام متسلسلة كعناوين لقصائدها، تاركةً إياها متحررة ومنفلتة هكذا، تمامًا “مثل خيول البراري”؛ تقول: “لا ترسل لي/ قبلة في الهواء/ قد تأخذها الريح/ لامرأة أخرى”. ثمة مشاعر أنثوية نجدها في هذا المقطع، وهو ما ينسحب على باقي المقاطع؛ هنا نجد “الغيرة”، وفي مكانٍ آخر ثمة “الأمومة” و”الأطفال”، تقول: “تلك القُبلُ/ الخفيفة/ الشغوفة/ العنيفة/ نرسمها/ على خدود الأطفال/ يفرحون…./ فيضحكُ العالم”.

ما يميز الجُملة الشعرية لفريدة العاطفي، طريقتها الهرمية في رصف الكلمات، حيث الجُملة تطول أو تقصر حسب الدفقة الشعورية. في أحد المقاطع نلاحظ أن كل كلمة موضوعة في سطر تقريبًا، ما يُضفي نَفَسًا لينًا وإدهاشًا على القصيدة، حيثُ تقول: “ما حسبوه/ عطرًا/ كان/ شذى/ قبلة”. ثمة رائحة نشتمها من بين جنبات هذا المقطع، الرائحة بوصفها أبجدية الإغواء الغامضة، بحسب بيت فرون، تنجح الشاعرة ليس في جعل القارئ يقرأ أو يتأمل فحسب، بل يشتم عطرًا ما أيضًا؛ “حبيبي/ غاب/ وظلت قُبلاته/ تسقي/ زهور الشرفة”.

المشهد الخجول للحرب

خجولًا يطل مشهد “الحرب” من خلال بضعة قصائد من المجموعة، الحرب التي دخلت معظم مفاصل الحياة وأصبحت العنوان الأبرز لها، لكن بالرغم من كل الويلات التي تسببها، نلاحظ أنه قد تمّ تدجينها لدى الشاعرة العاطفي، حيث تقابل الشر بالعصافير والغناء العذب؛ ما يجعل لغةَ المجموعة أكثر سلاسة وألفة، تقول: “لم يعد للعصفورة/ من يقبّلها/ -العصفور أصابته/ شظية- / لم يعد للعصفورة/ ماء./ …/ وحده الرصاصُ/ يفجر بعضه/ في المساء”، وفي مكانٍ آخر، ثمة مزج إشكالي ما بين “السيف” و”النحر” من جهة، و”العصافير” و”الحزن” من جهةٍ ثانية، تقول: “إياك يا سيافُ../ أن تقطع رقبة قبلة/ ستحزن العصافيرُ/ كثيرًا”. لتنتهي إلى القول: “كم قُبلة تكفي لإنقاذ العالم؟”، تطلقها كصرخة مدوية في وجه “القبح” الذي طالما يهيمن على كرتنا الأرضية.

ثنائية الروح والجسد

مجموعة (قبلة للصباح.. وردة للمساء)، والتي جاءت في مئةٍ وست عشرة صفحة من القطع المتوسط، هي الإصدار الثالث للشاعرة فريدة العاطفي، المقيمة في فرنسا، إذ سبق لها أن أصدرت كتابين سابقين، هما: “وتريات” (شعر- 2005)، و”على سفر” (قصص- 2017).

هذه المجموعة تقف على مسافةٍ واحدةٍ من الأدبين “الأيروتيكي” و”العذري”، لما فيها من لغةٍ حسية تخص وصف الجسد في بعض المقاطع، جنبًا إلى جنب مع تلك اللغة الصوفية العرفانية في اكتشاف لذة الحب والهجران في مقاطع أخرى، إيمانًا من الشاعرة بأن “الإبداع يجب أن يضيء الجسد والروح معًا”، ولعل التقاطع والمزج ما بينَ العالمين (اللغتين المُغايرتين) أضفى شيئًا من الغنائية المديدة على أجواء المجموعة: “جرب/ أن ترسل قبلة للكون/ وسترى../ كم عصفورًا سيحط/ على كتفيك./ كم طفلًا سيركض/ إليك./ كم أقدارًا ستغير/ مجراها/ وماء سيسير/ بين يديك/ …/ جرب”.

 

الكتاب: قبلة للصباح.. وردةٌ للمساء (شعر)

المؤلف: فريدة العاطفي (المغرب/ فرنسا)

الناشر: مؤسسة بتانة- القاهرة 2017

الصفحات: 116 صفحة

القطع: المتوسط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق