قرع الطبول: إسرائيل.. وإيران

حكاية العلاقة الإيرانية مع “إسرائيل” والغرب، طويلة ومليئة بالالتباس، وقابلية الدخول في التفسير البوليسي لأفلام متنوعة، تقع بين الحقيقة والرغبوية والتضخيم.

قبل وصول أهل “ولاية الفقيه” إلى الحكم، وبعده، تميّزت العلاقة بين إيران و”إسرائيل” والغرب بكثير من الحميمية. وإيران على امتداد الاستراتيجية الأميركية، بعد وراثتها للاستعمار القديم وتغيير الأسلوب باعتماد الأحلاف والقواعد والاختراق الداخلي بديلًا لجيوش الاحتلال والتواجد المباشر، مثّلت الضلعَ المهم في مثلث القوى التي أنيط بها دور مهم في أحداث المنطقة، خاصة في مواجهة حركات التحرر الوطني والقومي العربية، والتوجهات الوحدوية، وتلك المعادية للتواجد والنفوذ الاستعماري بشكليه القديم والجديد، وكذا العلاقة المتميزة مع “إسرائيل”، المخالفة لكون إيران ذات أغلبية إسلامية ترفض اغتصاب فلسطين.

الكلام عن العلاقات بين الدول وعن الأدوار الخاصة يتخطى الظاهر، الاقتصادي والسياسي، إلى تلك العلاقات الأمنية شديدة الخصوصية، وذات المهام الخاصة. وهنا نلحظ ذلك التنسيق الكبير بين الاستخبارات الإيرانية (السافاك)، وبين الاستخبارات المركزية الأميركية من جهة والموساد الإسرائيلي من جهة ثانية. وهي العلاقات التي ظلّت مستمرة بعد “إسقاط الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية”، خلافًا لأكوام الشعارات النارية التي رفعها النظام الجديد عن معاداة أميركا و”إسرائيل”، وتحويل السفارة الإسرائيلية إلى مقرّ لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتبني القضية الفلسطينية وحركات المقاومة، فتوليد “حزب الله” اللبناني، وما قام به من دور في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني، وما اكتسبه، وإيران معه، من تأييد واسع في الشارع العربي، وتحوله إلى قوة رئيسة في لبنان والمنطقة.

فضيحة “إيران كيت”، إبّان الحرب الإيرانية – العراقية، كشفت طبيعة العلاقة التي لم تنقطع، بين إيران وكل من “إسرائيل” وأميركا، وأكدت وجود خيط قوي بينهما، لكن الأهم من ذلك هو نهج إيران السياسي الذي يصبّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، في جوهر الاستراتيجية الصهيونية القائمة على تفسيخ المجتمعات العربية من داخلها، بإيجاد وتغذية الصراعات العمودية، وبخاصة تلك القائمة على أسس مذهبية ودينية، وهو ما فعلته إيران على امتداد وجودها، وما تغوّلت به كثيرًا في السنوات السابقة.

لعلّ من حق إيران أن يكون لها مشروعها القومي، لكن الخطر فيه أنه يركب على الصراع المذهبي لنشر التشيّع في الوطن العربي، بكل ما يحمله من توترات وصراعات، تصل إلى نوع من الحروب الأهلية الخطيرة، وهو لا يكتفي بمساحة إيران الجغرافية، بل يتجه مباشرة إلى البلدان العربية لاختراقها، واحتوائها، وإتباعها لإيران. وهو المشروع الذي يلقى كل الدعم الصهيوني والغربي عمومًا، والأميركي بوجه الخصوص، وعلى ذلك؛ يمكن تفسير وضع يدِ إيران على العراق بعد غزوه وتدميره، تحت نظر وموافقة الاحتلال الأميركي، ثم ما جرى في سورية واليمن، ومحاولات إيران مدّ نفوذها بخط بري يوصلها إلى البحر المتوسط، ويحوّلها إلى قوة إقليمية ضاربة، وإلى لاعب رئيس في الشأن السوري، والعراقي وفي اليمن ولبنان.

لكن هذه اللوحة تحمل داخلها عددًا من عوامل التنافس والخلاف والصراع؛ فأميركا التي تضع في أول أولوياتها “أمن إسرائيل” لا يمكن أن تسمح لإيران، أو لأي دولة عربية، بامتلاك السلاح النووي، أو التحول إلى دولة منتجة للأسلحة المتطورة. والتغول الإيراني وصولًا إلى البحر المتوسط يمثل تهديدًا آخر لكل من “إسرائيل” وأميركا، لذلك أكثر الرئيس الأميركي ترامب في حملته الانتخابية من عبارات تقليم، أو تحجيم إيران، واحتمال الخروج من الاتفاق النووي. ولئن حملت تلك العبارات كثيرًا من الإبهام بعد نجاح ترمب بالرئاسة، ولم تترجم واقعيًا بعد أكثر من عام على ولايته؛ فإن التخوف الإسرائيلي من وجود برنامج نووي إيراني مخفي ومتطور، وكذلك إنتاج الصواريخ الباليستية، والوجود الإيراني والميليشيات الطائفية التابعة لها بقوة في سورية، بالقرب من الحدود الفلسطينية.. يمثل هاجسًا يقضّ مضاجع الخطوط الحمراء الإسرائيلية، والغلو المعروف في قصة الأمن، ومحتواه وحدوده، فالتقارير الأخيرة -الصحيحة أو المضخّمة- عن البرنامج النووي الإيراني، ووجود مخابئ سرية كبيرة، ما زالت مستمرة في تطوير ذلك البرنامج. يرفع وتيرة التوترات التي تصل إلى حدود التهديد بحرب إقليمية طاحنة أرضها بلادنا.

عوامل الصدام قائمة، لكنها لن تكون حربًا شاملة، وهي ستقتصر على عمليات التحجيم والتقليم، خصوصًا أن حلفاء أميركا في الدول الأوروبية لديهم كثير من التحفظات، وما زالوا يفضلون سياسة الحوار والاتفاق على الحرب، والعقوبات الأوسع.

نعم، لا يمكن لـ “إسرائيل” أن تقبل بوصول إيران إلى مرحلة إنتاج القنبلة النووية، ولا صناعة الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، بمديات طويلة تصل إلى عمق فلسطين، وهي وإن حافظت على علاقات سرية أمنية مع النظام الإيراني، إلا أن الخوف يبقى قائمًا لديها خصوصًا في حساباتها للمستقبل، ولحالة وصول قوى أخرى في إيران قد لا تكون متحالفة مع دولة الاستيطان والاغتصاب، وتستخدم تلك الأسلحة في مواجهات يمكن أن تكون محتملة في أية تحولات تعرفها المنطقة.

هذه التطورات حملت، أيضًا، مزيدًا من الشروخ في الوضع العربي، بين من يوافق على توجيه ضربات قاصمة لإيران، ويعدّها العدوَّ الأول والأخطر للعرب قبل “إسرائيل”، فيتحالف مع “إسرائيل”، وهو يعلن استعداده لاقتناء مزيد من الأسلحة من إنتاج أميركي وغربي، وربما تغطية جلّ تكلفة الحرب القادمة أو الضربات التي تحدث، وبين معسكر آخر ما زال يرى أن إيران قوة إسلامية، ويجب حوارها والاتفاق معها.

سورية والمنطقة على صفيح متفجر.. ولا مصلحة لشعوبها بما يجري، وستكون الخاسر الأكبر والضحية المباشرة.. بغض النظر عن مستوى المواجهات ونتائجها.