إعدام الحمير في سورية، تكريم الحمير في ماردين!

قليلة هي الشوارع التي تستطيع السيارات دخولها، في مدينة ماردين الجبلية التاريخية؛ حيث تتداخل البيوت المبنية بالحجر الكلسي الأبيض، في جميع الاتجاهات، ومن الصعب على الغريب، أحيانًا، معرفة حدود البيت. تداخُل البيوت وتركيبها فوق بعضها البعض، وهي صاعدة الجبل، أو هابطة منه، أو تدور ملتفة أو ملتوية، لا يشبه الجغرافية الجبلية فحسب، وإنما النفس البشرية التي تنام وتصحو على “الشهوة”، وبشكل خاص، في الجملة اللغوية الواحدة؛ التي تتداخل فيها المفردات العربية الماردينية والكردية والسريانية والتركية. لقد جعل التاريخ المدينةَ المحفورة بالجبل الصخري، والجبل المحمي بالمدينة، تشبه “كبكوبة” من الخيطان، من الصعب فكفكة خيطانها، دون ملامسة كل أنواع الخيوط التي تشكل “الكبة”.
تدخل الزواريب كي تكتشف، ولكي تستمر، عليك أن تصعد الأدراج الحجرية، أو تهبطها، أو تسير فوق البلاط الحجري للدرب، تصل إلى نهاية الزاروب، الذي تظنه مغلقًا، فينفتح عليك في نهايته زاروب آخر، يقودك نحو اتجاهات جديدة!
في محاولة العثور على بيت “جد” صديق حلبي، لا يستطيع مغادرة حلب، كان قد طلب مني زيارة البيت، في حال عثرت عليه، وتصويره، لترميم ذاكرته العائلية التي تعرضت إلى مذبحة وتهجير، قبل نحو مئة عام، قادنا الزاروب الملتوي، كالأفعى التي لا تعيقها الزوايا، صعودًا إلى طريق آخر، فنبهني صديقي “عبد الناصر” إلى “حمار البلدية” الأبيض، يقف شامخًا في بداية الزاروب الهابط نحو مستوى الشارع الرئيسي الوحيد في المدينة، حاملًا “خرجًا” كبيرًا، يحتوي على بعض بقايا فضلات سكان الزواريب، على “جلال” ضخم، ويسير أمامه موظف البلدية، الذي يجمع القمامة بمكنسته الخشنة، التي تشبه مكنسة “الساحرات” في الأفلام الغربية، والتي تثقف أطفالهم على التمييز بين الخير والشر، ولكن خارج الأراضي السورية التي تشهد مقتلة فريدة في سحريتها وسحرتها. انصرفتُ عن مشاهدة سور البيت، إلى مراقبة حركات الحمار، وهو يحاول، مستغنيًا عن الاستعانة بمنجزات “الحداثة”، تتبع خطوات “قائده”، ومتلمسًا بأطراف “حوافره”، مسترشدًا بخبراته السابقة وحسه “الحيواني”، بلاطات الطريق المائلة هبوطًا، خوفًا من الانزلاق. يقطع صديقي تأملاتي “الحمارية” التي قادتني إلى أزمنة سورية غابرة (حيث كان جيشنا “العربي” السوري البطل، في محاولة لحماية “قائده”، يغتال الحمير العميلة، المتعاونة مع فلول الرجعية، في الحقول)، قائلًا: هذا الحمار موظف في البلدية، وله سجل نظامي، وجدول يثبت بداية دوامه اليومي، وساعة الانصراف من العمل، وفيه مستحقاته من الأدوية، ومواعيد زيارة العيادات البيطرية، والأغطية، ونوعية اللباد، الذي يجب حشو “الجلال” به، لحماية ظهره، وعدد أيام الإجازات السنوية، وشروط الإسطبل الصحية، ونوعية الطعام، وضرورة احتوائه على المواد الصلبة والأعشاب الخضراء الطازجة والجافة ونوعية الشعير. قطعت استطرادات صديقي، المقيم في مدينة ماردين، قائلًا: كفاك يا صديقي تفخيمًا وتضخيمًا لهذا الحمار وتعداد امتيازاته، وكأنه صديق السوري رامي مخلوف، أو أحد أصحاب الحظوة عند “القائد”؛ لأنك إذا استمريت في هذا الحديث فقد تصل إلى القول: إنه قد تمّ تعيين هذا الحمار عضوًا في مجلس الشعب، كما فعل الإمبراطور الروماني كاليغولا، الذي عين حصانه عضوًا في مجلس شيوخ روما، وكان لزامًا على أعضاء مجلس الشيوخ، الذين يودون التقرب من الإمبراطور، رشوة حصانه بأفخر أنواع الاعشاب المستوردة!
لكن صديقي أصرّ على أن يختم كلامه عن حمار “ماردين” بقوله: قبل أسبوعين من الآن، تمّ الاحتفال بمجموعة من الحمير، بمناسبة إحالتهم إلى التقاعد من البلدية، بعد خدمة طويلة، وتقديم قالب “كاتو” مصنوع من الأعشاب الطازجة لهم، وإلقاء كلمات تشيد بهم وبالخدمات التي قدموها لسكان ماردين، وبالتالي الكلام ليس من عندي.
وعندما رأى صديقي أن عينيّ تكادان أن تخرجا من محجريها، قال: للتأكد من صحة الخبر ما عليك إلا استشارة غوغل، أو أي وكالة إعلام تدعي خدمة الشعوب!!!