مقالات الرأي

لا تنهَ عن خُلقٍ وتأتي مثلَه

نشر “المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا”، على صفحاته في شبكات التواصل الاجتماعية، (تغريدة) تستعيد فقرةً من خطاب رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، إبّان زيارتها لندن سنة 1969. وفي تقديم الفقرة، يكتب القائمون على هذا المجلس أن “مائير قالت كلامها هذا منذ خمسين سنة، وهو ما زال صحيحًا حتى اليوم”. ما هو هذا الكلام المُستدام الذي نطقت به هذه الصهيونية العتيدة؟ وما هو سبب افتخار أصحاب هذا المجلس، بما أوردته مَن كانت محسوبة على “اليسار” الإسرائيلي، وهم بالمقابل من عتاة اليمين المتطرف المؤيد لسياسات ومواقف بنيامين نتنياهو، وهم العاملون في المشهد الفرنسي وكأنهم مؤسسة إسرائيلية، على الرغم من الادعاء الدائم لديهم بأنهم يُمثلون اليهود الفرنسيين وحسب. تقول مائير في خطابها “التاريخي”: “يمكن لنا أن نُسامح العرب لقتلهم أطفالنا، ولكننا لا يمكن البتة أن نسامحهم لإجبارنا على قتل أطفالهم. سيكون هناك سلام، يوم يُحبّ العرب أولادهم بقدر ما يكرهوننا”. جرعة كراهية وخبث لا حدود لها. حمولةٌ جرمية دموية “مثالية”.. رخصٌ في التعبير الإنساني وتشويهٌ لمسؤولية المجرم. كل ما سبق وأشد، هو ما يمكن أن يصف هذه المقتطف بشقيّه، ما هو مستعاد والتعليق الحديث عليه.

وخلال الأيام القليلة الماضية، حفلت وسائل الإعلام الغربية، كما العربية، بمقتطفات من تصريحات شبيهة في انحطاطها الأخلاقي، لعديد من المعلقين الإسرائيليين من رسميين وإعلاميين، يُحمِّلون الضحية، وهم الفلسطينيون، مسؤولية موته. ومن الأمثلة الصارخة، حوارٌ جرى على شاشة محطة إخبارية هولندية، حاورت ناطقًا عسكريًا إسرائيليًا حول المقتلة الجارية في غزة. وبعد أن أسهب في الحديث عن الطبيعة الإرهابية للمتظاهرين”، وعن تهديدهم الجدي “لحيوات الإسرائيليين”، وعن الاضطرار الطارئ إلى استخدام القوة؛ لم يتمالك المذيع الهولندي نفسه من أن يسأل هذا الناطق “المائيري”، عن منطق ما تقدم في ظل استشهاد عشرات المتظاهرين وجرح المئات، متسائلًا عن عدد “الضحايا” من الجانب الإسرائيلي. فما كان من الناطق إلا أن أجاب بابتسامة فيها من الاستهزاء ما يمكن أن يستفزّ ملعبًا، مُشيرًا إلى توقّعه مثل هذا السؤال “الخبيث”، وعن تأكده من أن المذيع يعرف الجواب الذي يُشدّد على عدم وجود أي إصابة في الجانب الإسرائيلي. مضيفًا إلى ما ورد، أن قتل المتظاهرين/ الإرهابيين، كان هو السبب الرئيس لعدم وقوع ضحايا من جانب المحتلين. ابتسم المذيع بألم، وابتسم الناطق بلؤم.

على هامش المقتلة الفلسطينية الجارية، بدا لكثيرٍ من المعارضين السوريين أن القضية قضيتهم، وهي تحاكي قضية حريتهم التي خرجوا يُطالبون بها سنة 2011. وفي خضمّ التضامن الصريح والتعبيرات المختلفة عنه، برزت بعض التعليقات التي تحمل شيئًا من الشماتة أو بالأحرى -وهذا هو الغالب- بعدم الاكتراث لما يحصل في غزة من قتل وتدمير، بسبب تعميم ظالم تقوم به بعض الرؤوس الحامية في بعض الأوساط المعارضة، يُبرّر هذا الانسحاب من وظيفة التضامن الإنساني، مستندًا إلى ما يُقدّره بأنه ضعفٌ، أو شبه انعدام، لفعل التضامن من قبل الجانب الفلسطيني مع ثورته السورية. وبعيدًا من الخوض في حيثيات هذا الظنّ ودقّته، فإن العقلية التي تُسيّر مثل هذا العزوف تنمُّ عن ضعفٍ أخلاقي وضحالة إنسانية، لا يمكن إلا أن تضع علامات استفهام كبيرة حول تبني ثورةٍ دون أخرى، وحقٍ شرعيٍ دون آخر. عقليةٌ تُعيد إنتاج ما فتئ السوريون يُدينونه منذ شعورهم باليتم، إثر عزوف بعض أقرانهم من اليساريين والقوميين العرب، عن دعم مطالبهم بالحرية والعدالة والكرامة الانسانية.

إن القول لدى البعض من السوريين أو من يتضامن مع مأساتهم، وذلك عندما تُستعرض أحداث المقتلة الفلسطينية أمامه، إننا يجب أن نلتفت أيضًا إلى المقتلة السورية، مبررًا بهذا بروده التضامني أو عزوفه عن الاهتمام، يُذكرنا بما عاناه السوريون، طوال السنوات السبع الأخيرة، من ظلم ذوي القربى الذين كانوا يتلذّذون في طرح التساؤل التالي: وماذا عن اليمن؟ أو ماذا عن البحرين؟ وكنّا حينذاك نعتبرهم “بافلوفيي” المنطق وعديمي الإحساس. هذه العقلية التفاضلية بين المآسي والحقوق هي فخٌ أخلاقي، يدفع بنا إلى حسابات تُجرّد المشاعر من إنسانيتها.

وكما قال الشاعر يومًا: فلا تَنْهَ عن خلق وتأتي مثله … عارٌ عليك إذا فعلت عظيم!

مقالات ذات صلة

إغلاق