تحقيقات وتقارير سياسية

معوقات عودة الديمقراطية إلى الثورة

ثورات الربيع العربي -في جوهرها- لم تكن لأجل تحسين الأوضاع المعيشية، أو بسبب الجوع، بل كانت ثورات لانتزاع الحرية، وإقامة أنظمة ديمقراطية بديلة لنظم الاستبداد والفساد، لذلك شاركت فيها، والتفّت حولها جموع واسعة من المواطنين من فئات مختلفة، ولذلك أيضًا واجهت كمّ التعقيدات والمؤامرات والثورات المضادة.

كانت الثورة السورية ثورة حرية بامتياز، حتى وهي في أيامها الأولى التي نادت فيها بإصلاحات شاملة، وكان شعار “بدنا حرية وكرامة وعدالة” التكثيف لجوهرها، ومطالب هؤلاء الذين ثاروا وهدّموا أسوار الخوف ومملكة الرعب، وضحّى الآلاف بالكثير في سبيلها، ولذلك نجحت الثورة، في أشهرها الأولى، في جذب أطياف واسعة من الشعب بمختلف فئاته، بمن فيهم أعداد ملموسة من المحسوبين على الطائفة العلوية، ومن المسيحيين، والدروز والإسماعيليين (وإن كان لسلمية ومصياف وضع يبلغ الاستثناء) الذين رأوا فيها الخلاص من عقود القمع والمسخ، واغتيال الحقوق والكرامة الإنسانية.

عبّر كثيرون من المنخرطين في الثورة بوضوح، في مناسبات مختلفة، عن أن الصراع مع النظام ليس لأن رأسه ومفاصله علويون، وأن القضية لا علاقة لها بالمذهب والدين، بل بالممارسة وبتركيبة النظام، رغم أنه موضَع الطائفية ومارس الفئوية بكل فجاجتها وأخطارها، وكشف عن وجهه الأقلوي البغيض، قبل استنجاده بإيران والميليشيات الطائفية التي استقدمها، وكان هذا دأبه منذ الأيام الأولى للثورة حتى وهي تنادي بإصلاحات جزئية وببعض التغييرات التي لا تطال إسقاط النظام، كما أنهم، بالرغم من بعض الشعارات الإيمانية، واستخدام المساجد أمكنة للتجمّع والحماية وانطلاق التظاهرات، لم يطرحوا صيغًا إسلامية، ولم يتحدثوا عن الأدلجة والتحزّب.

اتساع رقعة الثورة ودخول الملايين إلى ساحات التظاهر، كان تحت وقع شعاراتها وأهدافها بإسقاط نظام الاستبداد والفئوية، وإقامة النظام التعددي الديمقراطي البديل، وقد عكست وترجمت معظم الفعاليات السياسية وقوى الثورة من الشباب ذلك في وثائقها وخطاباتها، وباتت راية النظام المدني الديمقراطي محطّ التوافق والجذب، وقد كرّس المجلس الوطني ذلك في أدبياته ومواقفه، بل إن “جماعة الإخوان المسلمين” أصدرت وثيقة العهد المتطورة عام 2012 التي عبّرت صراحة عن هذا الخيار، وكانت متقدّمة على خطاب ووثائق عدد من القوى المحسوبة على التيار الديمقراطي، وفي مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية الذي رعته الجامعة العربية (أوائل تموز/ يونيو 2012) والذي شكّل أوسع تمثيل لأطياف المعارضة والحراك الثوري، توافقت اللجنة التحضيرية التي ضمّت معظم المكونات السياسية على “وثيقة المبادئ الأساسية” التي نصّت صراحة على “إقامة الدولة المدنية الديمقراطية على أنقاض نظام الاستبداد، التي تكرّس المساواة بين الجميع، بغض النظر عن الجنس والعرق والدين والمذهب، على أساس المواطنية، ووفق دستور عصري يقره الشعب عبر استفتاء عام”، ووافق المؤتمر على تلك الوثيقة المهمة التي اعتبرت ركيزة الثورة للدولة المنشودة.

حين تم تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وبعد أشهر قليلة من ذلك المؤتمر، كان مشروع المبادرة التي تقدّم بها رياض سيف ينصّ على الاستناد إلى وثائق القاهرة، خاصة تلك المتعلقة بطبيعة الدولة، إلا أن رئيس الائتلاف المنتخب آنذاك وعدد من الإسلاميين رفضوا الموافقة على هذه الصيغة، واعتبروها علمانية وإشكالية، وصمت الائتلاف وقتًا ثمّ عادت وثائقه السياسية، خاصة تلك التي تناولت رؤيته لتكريس تلك الصيغة بشكل واضح، أو بعبارات مشابهة، كاعتماد صيغة النظام المدني، التعددي الديمقراطي.

لكن انزياحات متتالية ومتسارعة حدثت بعد زمن من قيام الثورة، بفعل ما ركبها من شعارات بديلة، ثمّ وقوع عدد من المنخرطين فيها بمخطط النظام وحلفائه الإيرانيين بتحويل الصراع من طابعه الاجتماعي، ومن صراع في سبيل الحرية، إلى صراع مذهبي: سني-شيعي، وذهاب بعض القوى إلى مديات بعيدة في المواقف والمواقع، تُلغي فيه الخطاب الديمقراطي، وتستبدله بآخر إسلامي متنوع التفسير والخلفية، وإقحام الأدلجة الماضوية لتغطية وجه الثورة.

لقد حملت العَسكرة تحولًا في أهداف الثورة وطبيعتها، بداية من إضعاف السياسي لصالح العسكري، وإنهاء الجانب الشعبي، السلمي واستبداله بالقتال والرهان عليه، وصولًا إلى إزاحة فصائل الجيش الحر بتنوعها، وتسويد القوى الإسلامية براياتها المختلفة التي اعتبرت الديمقراطية كفرًا فحذفتها من الرايات والخطابات، ومارست بديلًا ظلاميًا، مقننًا بطبيعة المدارس الفقهية واختلافاتها، حتى جماعة الإخوان المسلمين لم تتقدّم كثيرًا في خطها، ولم تنجح في تجسيد أسس وثيقة العهد التي أقرتها، وكأنها استكانت لتلك التطورات الإسلاموية، أو وجدت فيها تناغمًا مع أصولها، ومعتقداتها الأساسية، وبما ينسجم وتركيب معظم أعضائها، وأدّى هذا التحول إلى تشويه صورة الثورة لدى قطاعات واسعة من حواضنها الشعبية التي راحت تنفضّ عنها، أو تصاب باليأس، وتجلى ذلك في عدد من الفئات الاجتماعية التي لم تقتصر على “الأقليات الدينية والمذهبية” فقط، بل في عموم القطاعات، خاصة في المدن، كذلك الأمر على صعيد التأييد الشعبي العربي لها، والرأي العالمي الذي منحها التأييد أشهرها الأولى، بل إن الأطراف الدولية التي اصطفّت مع الثورة، وشكّلت ما يعرف بأصدقاء الشعب السوري، راح كثير منها يوظّف تحولات الثورة، وأسلمتها إلى سبب لمواقف سلبية، وذريعة لإيقاف الدعم متعدد الأشكال.

إن التطورات السلبية التي حدثت في العامين الأخيرين، وتراجع مساحات المناطق التي كانت تحت سيطرة قوى المعارضة، والهزيمة الكبيرة في حلب وما تلاها من وقائع ليست لصالح الثورة، رغم قسوة آثارها وما أوجدته من واقع جديد تنتشر فيه أمواج اليأس، وتكثر عمليات الانفضاض عن الثورة، حملت معها بدايات تحولات باتجاه العودة إلى جوهر الثورة المدنية الديمقراطية، وإلى الشعب أساسًا وحاضنًا، وإثبات فشل الأسلمة ومخاطرها وما ألحقته بالثورة من مضار، وهي تحولات تشقّ طريقها بصعوبة كبيرة نتيجة ضعف وبعثرة الاتجاهات الديمقراطية من جهة، والواقع الميداني السلبي من جهة ثانية، والوضع الدولي الذي تحوّل إلى نوع من الاحتلال المباشر وغير المباشر، ومركزة مناطق النفوذ التي تتقاطع مع أنواع من التقسيم كأمر واقع، من جهة ثالثة، ومقاومة الاتجاهات الإسلاموية لأية تغييرات كبرى ونوعية، والتي ما زالت تتمتع ببعض التواجد والقوة، بينما لم تنجح القوى البديلة في لمّ صفوفها، أو تشكيل البديل المطلوب.

تغيير الخطاب الذي راج، وتصحيح المسار، وإدانة الأدلجة مهما كانت مرجعياتها، والعودة إلى الشعب بكل أطيافه وتشكيلاته، وإدانة النهج الطائفي التقسيمي، والتمسك بجوهر الثورة الديمقراطي التعددي، أمر مطلوب من القوى الفاعلة، خاصة من الهيئات القائمة، والائتلاف على رأسها، ويجب أن يتمّ بوضوح وسرعة ودون مجاملات ملتبسة، وفي الوقت نفسه تعزيز التوافقات والتحالفات السياسية والاجتماعية مع جميع القوى والفاعليات، ومن ضمنها القوى الإسلامية القابلة بالدولة المدنية الديمقراطية.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق