مقالات الرأي

ثقافة العنف الإقصائية لدى الأنوات المتضخمة

يُرجع فرويد، مؤسس نظرية التحليل النفسي، العنفَ بشكل عام إما لعجز (الأنا) عن تكييف النزعات الغريزية، مع متطلبات المجتمع الناتجة عن قيمه ومعاييره ومُثله، وإما لعجز الذات عن القيام بعملية التسامي أو الإعلاء، من خلال استبدال النزعات العنفية الغريزية بالأنشطة المقبولة اجتماعيًا.

من أنواع العنف ومظهراته، العنف الإقصائي الذي يعرّفه أغلب الباحثين والدارسين بأنه “رفض البعض مشاركة الآخرين المختلفين معهم في مجالات الحياة كافة، من خلال ممارسة الثقافة الإقصائية”، أي تهميش الآخرين المختلفين معهم، وممارسة ثقافة الهيمنة والتسلط عليهم.

الحالة الطبيعة أن يُمارس النظام السوري هذا العنف الإقصائي، كونه نظامًا استبداديًا، من خلال نكرانه لحق المعارضة (الآخرين) في المشاركة السياسية، وحرية التعبير وإبداء الرأي، والمشاركة في القضايا الوطنية التي تهمّ السوريين كافة. وبمعنى آخر: من خلال عدم الاعتراف بحق القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة معه بالاختلاف معه، والتعبير عن وجودها الاجتماعي والسياسي الحقيقي. إضافة إلى انعدام الحياة السياسية الوطنية السليمة والطبيعية، كما هو حالها في المجتمعات الديمقراطية كافة، وغياب أطر ومؤسسات المشاركة الشعبية في الشأن العام لمدة خمسين عامًا، والذي كان أحد العوامل التي دفعت باتجاه الانفجار الاجتماعي (ثورة 2011)، أما الحالة غير الطبيعية فأن يلحظ هذا النوع من العنف (الإقصائي) يُمارس من قِبل فئة الأنوات المتضخمة من السوريين المعارضين للنظام الاستبدادي، التي عانت وبشكل ملموس من استبداد النظام السوري، وتبعاته من الاعتقال سنوات عديدة إلى التهميش والإقصاء، والتي تصنف نفسها بالمعارضة الديمقراطية.

يمارس هؤلاء المعارضون للاستبداد أصحاب الأنوات المتضخمة هذا العنف، من خلال إقصاء الآخرين من المشاركة في الفعل السياسي والوطني، إلا في حالة التبعية، وإذا ما رفضوا حالة التبعية؛ تمّ نفيهم خارج ساحة العمل السياسي والوطني بشكل عام، بل أنكروا وجودهم، وكأنهم في حالة تماه مع النظام الاستبدادي، مع فارق أنهم لا يمتلكون سلطة الأجهزة الأمنية والعسكرية الخاصة بالنظام، لذلك يكتفون بالعنف الخفي (الإقصائي)، الذي يتضمن ثلاثة عناصر: (الكراهية، التهميش والتبعية، إقصاء الآخر).

تتصف شخصية (الأنوات المتضخمة) بالسلوك النفسي المرضي، كما يُشخّصهم الطب النفسي، من خلال رفضهم أيّ نقدٍ موجهٍ لهم، بل إنهم يعدّون أي نقدٍ لهم مزاحمة لمواقعهم الوهمية، يعيشون هواجس الخوف من أن يكون الآخر بديلًا لهم، مدمنين على المديح والإعجاب الدائم، وإذا لم يجدوا المادحين؛ قاموا هم أنفسهم بهذا الامتداح.

تستقي (الأنوات المتضخمة) ثقافتها العنفية الإقصائية، من عدة أنساق للشخصية المرضية:

1 – من نسق الشخصية النرجسية، التعالي والمبالغة في الشعور بأهمية الذات، حيث يعتقدون أنهم الأفضل مقارنة بالآخرين، ويبالغون في الحديث عن إنجازاتهم الوهمية (سياسية، ثقافية، وطنية… إلخ)، والآخرون بالنسبة إليهم يجب أن يكونوا تابعين، وأدوات للوصول إلى أهدافهم وغاياتهم فقط، ويتعاملون معهم بشيء من التهميش.

2 – من نسق الشخصية التسلطية، يستقون معتقداتها، التي تتصف بالانغلاق العقلي المعرفي، وأحكامها المتطرفة وآرائها النمطية، والعجرفة في تعاملهم مع الآخرين المختلفين معهم. وحبّهم أن يدور الآخرون في فلكهم، وانحصار تفكيرهم في نمطية الثنائية “إما معي أو تتآمر علي”، إنهم الوجه الآخر للنظام الاستبدادي، وهم بارعون في نقد الآخرين، ولكن فقط بهدف التبخيس من أعمالهم وعدم الاعتراف بإنجازاتهم.

3 – من نسق الشخصية الاحتوائية، السعي الدائم للسيطرة على الآخرين، واحتواء وجودهم الحقيقي والمعنوي وحتى أفكارهم، ويطرحون أنفسهم أنهم واسعو المعارف، عارفون بكل شيء، ومتخصصون بكافة العلوم.

هنا تحضر أهمية التمييز بين أصحاب الأنا المتضخمة وبين (الشخصية التفردية)، فالشخصية التفردية حالة صحية في أي مجتمع، بل من الضروري تبلورها ووجودها، وعادةً ما يظهر تفردها في مناخ من الحرية والديمقراطية، إنها الشخصية المبدعة، التي تتصف بالثقة بالنفس والتقدير الموضوعي الواقعي لقدرات وقابليات صاحبها، ومعبرة عن الاعتزاز بالنفس واحترام الذات، وفي الوقت نفسه تحترم ذات الآخرين، بغض النظر عن قدراتهم وإمكاناتهم، بل تعمل على مساعدتهم في الوصول إلى مستوى الشخصية الإبداعية، التي يتصفون بها، إنها باختصار شخصية المثقف النقدي، الذي يتصف بالعمق الثقافي في قراءة الواقع بموضوعية واتزان انفعالي.

أما صاحب الأنا المتضخمة، فهي شخصية تسعى بطبعها إلى إقصاء الآخرين، وعدم الاعتراف بهم وفرض الهيمنة والفوقية والتعالي عليهم، وتمارس نزعة عدوانية صريحة أو ضمنية، فهي شخصية غير قابلة للنقد حتى من المقربين منها، وغالبًا ما تستخدم أسلحة العمالة والتمويل والارتباط بالخارج لكل من يخالفها أو ينتقدها، وغالبًا ما ترحل عيوبها إلى الآخرين، عبر عملية الإسقاط كما هو في مفهوم نظرية فرويد النفسية، إضافة إلى التلاعب بالأفكار والتمويه وإجادة صناعة الكلام وقلة الإنتاج الفعلي في الوقت نفسه.

أعتقد، بعد ثمانية سنوات من الثورة، أنه آن الأوان للسورين العاملين في النسق السياسي وفي الشأن الوطني السوري عمومًا، لوقفة مع الذات، خاصة لمن هم خارج سلطة الاستبداد المباشرة، البدء بقراءة موضوعية للممارسات السياسية والوطنية السابقة، من خلال ممارسة ثقافة الحوار مع الذات ومع الآخرين، حوار يستند إلى مبادئ الديمقراطية في العمل السياسي والوطني بشكل عام، يتجنب الضغط والإكراه والنفي والإلغاء والتبعية، باتجاه عمل مؤسساتي مسؤول أمام الآخرين أولًا والذات ثانيًا، وإلا؛ فلن يكونوا إلا الوجه الآخر للنظام بوجوه مقنعة بالمعارضة والديمقراطية، وغالبًا ما ينجرون إلى مواقف وممارسات وخيمة تدور في فلك النظام الاستبدادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق