خفض التصعيد: الكذبة المسمومة

بدعة صعبة التوصيف أوجدها الروس في قاموس التلاعب بالكلمات والمضامين، فبدلًا من وقف إطلاق النار الشامل، أو فرض تسوية سياسية؛ جاؤوا بمصطلح مطاطي، قابل لتأويلات مختلفة: خفض التصعيد، والذي يمكن أن يحمل مستويات متناقضة من القتال، أي التخفيض النسبي دون الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، أو إنهاء الصراع المسلح.

كان ذلك أول قطاف معركة حلب وانتصار المحتل الروسي على المعارضة المسلحة، بفعل تضافر عاملين متراكبين: مستوى السلاح الروسي المتطور الذي لا طاقة للمعارضة بمواجهته والذي استخدم، كما في الشيشان، سياسة الأرض المحروقة واستهداف المدنيين والبنى التحتية كنوع من تكتيك للضغط على الحاضنة الشعبية وإجبارها على القبول بالشروط المطروحة، بل انفضاضها عن الفصائل المسلحة، وممارسة الضغط متعدد الأشكال عليها لإيقاف القتال، ووضع السلاح جانبًا. أي ضرب الحاضنة الشعبية، وسحق إمكانات الصمود الفعلية، والعامل الثاني يخصّ واقع الفصائل المشتت المفتقر إلى الوحدة والتنسيق، وإلى وجود حرفية واستراتيجية قتالية مناسبة، وما كشفته المعارك من فجوات واختراقات داخلية، فكانت الهزيمة تحصيل حاصل ميزان قوى مختل جدًا لصالح المحتل الروسي.

على أرضية الهزيمة، طرحت روسيا فكرة “مناطق خفض التصعيد” عنوانًا لولوج مرحلة جديدة تكون فيها المهيمنة، والبديل عن جميع الأطراف الفاعلة في الملف السوري، وبدلًا من حضور السياسيين، قامت بدعوة وفد يمثل الفصائل العسكرية وبالذهن استبدال السياسي بالعسكري بالنظر إلى ضعف الخبرة لدى هؤلاء، وواقعهم بعد الهزيمة، وقوة الضغوط الخارجية عليهم، وعلى أساس تحويل اللقاءات إلى مسار سياسي بديل لجنيف، ولهيئات المعارضة، والنفخ بدور الفصائل، وتقديم إغراءات لفظية عن “المنجزات” التي يمكن تحقيقها بديلًا لمسار جنيف المتعثر، والمجوّف.

رفض مندوبو الفصائل عملية الاستبدال تلك، وكذلك عدم القبول بمناقشة مشروع دستور مقدّم من الطرف الروسي، وأصرّوا على أن مرجعيتهم الوحيدة هي الهيئة العليا للمفاوضات وجهات المعارضة (الائتلاف)، وأن دورهم يجب أن يقتصر على مناقشة الإجراءات العملية لوقف إطلاق النار وما يعرف بخفض التصعيد.

تركيا التي يهمهما بالدرجة الأولى أمنها القومي، وحمايته من أخطار حقيقية تمثلها التنظيمات الكردية المصنفة على أنها إرهابية والمدعومة من أميركا عسكريًا، والتي باتت متموضعة في مناطق سورية كثيرة على الحدود، وخيبة أملها من الإدارة الأميركية السابقة بعد فشل الانقلاب، واتهام أميركا بالضلوع فيه، ومع الإدارة الجديدة قامت بعملية التفاف لتحسين علاقتها بروسيا، خصوصًا أنها على قناعة طالما طرحتها بأن مسار جنيف متعثر، وأن أصدقاء الشعب السوري لا يملكون غير الخواء، وعاجزون عن التقدّم بأي خطوة تسووية ملموسة. كل ذلك دفعها إلى أن تكون طرفًا رئيسًا في لقاءات أستانا، بينما كانت الاعتراضات كبيرة على وجود إيران كطرف ضامن وهي شريكة النظام في القتل، كما روسيا واقعيًا، والمسؤولة عن استقدام عشرات الميليشيات الطائفية لنجدة النظام، وعن عمليات التشييع الملغومة واختراق المجتمعات العربية من داخلها، وكان لسان حال معظم الفصائل المتواجدة في أستانا أنها لا تملك أية خيارات أخرى، وأنها في موقع المضطر، والمنصاع أيضًا، وبأمل تحقيق بعض الخطوات الإيجابية في إيقاف عمليات التدمير والقتل اليومي، وفتح ملف المعتقلين، وتمهيد الطريق لانعتاق مسار جنيف من المعيقات التي حالت دون التوصل لأي خطوة إيجابية، في جميع جولات المفاوضات السابقة، وكانت الكذبة الروسية الملغومة تردد أنه يمكن الضغط على النظام في أستانا للاستجابة لبعض الأمور، وكأنه غيره في جنيف، وكأنها غيرها أيضًا في التعامل معه هناك.

حدث بالفعل خفض نسبي للتصعيد، لكنه اقترن بتحولات كبرى لصالح الطرف الروسي والنظام وإيران، فالاتفاقات التي عقدت للمناطق الأربع، وملحقاتها في الغوطة وشمال حمص مهّدت الطريق لسحق قوات المعارضة الواحدة تلو الأخرى، وممارسة الخرق اليومي، عبر القصف العنيف الذي فرض أمرًا واقعًا ينتقل من منطقة إلى أخرى، حتى إذا ما انتهى من واحدة من معاقل المعارضة، وقام بعمليات التهجير القسري وتلك المصالحات المريبة؛ انتقل إلى غيرها دواليك، وبما أدّى إلى خسارة قوى المعارضة لمعظم المناطق التي كانت تسيطر عليها، من داريّا والغوطة الغربية، إلى الوعر، فالغوطة الشرقية بكاملها، فريف حمص الشمالي، وريف حماة الجنوبي والشمالي أيضًا، وإتاحة المجال لقوات النظام بالتواجد فيها ضمن نصوص من الاتفاقات غير المتوازنة، أدّت إلى خروج المعارضة المسلحة والمدنية فعليًا منها، والتحاق تلك المناطق بما يعرف بـ “سورية المفيدة”، وتهجير نسبة كبيرة من الأهالي إلى إدلب ومناطق “درع الفرات”، في حين أخذت مناطق النفوذ بالتموضع في جهات سورية الأربع، وكأنّ هناك نوعًا من التوافق بين الأطراف الدولية والإقليمية على ذلك، بينما ما يزال وضع إدلب مبهمًا وقابلًا لاحتمالات متعددة.

وعلى الرغم من الضجيج المتكرر، حول وضع المعتقلين والمفقودين وفتح الملف في لقاءات أستانا، لم يجرِ -حتى الآن- أي تقدّم حقيقي فيه، وما زال النظام مصرًّا على التلاعب وتضييع الوقت، وعدم الاعتراف بأعداد المعتقلين ومصير المفقودين، أي أن إنجازات أستانا اقتصرت على تدمير بنى قوى المعارضة المسلحة في المناطق الاستراتيجية التي كانت تتواجد فيها، وإعادتها للنظام وفق بنود مصالحات مجحفة، وبوجود شرطة روسية مؤقتة، في حين أن وقف إطلاق النار لم يحدث، والخروقات يومية، وروسيا، ومعها النظام يمارسون القصف اليومي فيما تبقى من المناطق التي تتواجد فيها المعارضة والمشمولة بخفض التصعيد.

عمليًا، ومع الاتفاقات الأخيرة في ريف حمص الشمالي التي أدّت إلى تهجير عشرات آلاف المواطنين، ودخول قوات النظام وروسيا إليها؛ لم تعد هناك مناطق ما يسمى خفض التصعيد، ويبقى الجنوب (حوران والجولان) ضمن تفاهمات دولية لنوع من إدارة ذاتية، أو شكل من العلاقة الارتباطية مع النظام بإشراف مباشر من الأردن، و”إسرائيل” ضمنًا، وبالتالي تفقد أستانا مبرر إنشائها، رغم الإصرار الروسي، وموافقة تركيا، ومعهما إيران، على استمرارها بجدول أعمال شعاري يضع قصة المعتقلين والمختطفين عنوانًا، أي أن مصطلح خفض التصعيد كان الممر الخبيث لإنهاء وجود المعارضة، والكذبة التي ينتهي مفعولها قريبًا، رغم أنها مسمومة، وملغومة.