مقالات الرأي

كي لا يشرب السوريون من نفس الكأس مرتين

في عام 1936، عندما شاهد مراسل أميركي الألمانَ يشيدون مبنًى ضخمًا للإذاعة؛ كتب إلى صحيفته قائلًا: “إن ألمانيا لا تستعد لبث موسيقى بيتهوفن أو قصائد غوته، إنها تهيئ للحرب!”. كان ذلك قبل أن تُشعل ألمانيا فتيل الحرب العالمية الثانية بسنوات.

ماذا لو حضر ذلك المراسل اليوم، ليُشاهد أعراس الفرح بالانتصار على المؤامرة الكونية التي شُنت على سورية؟ ماذا لو استمع لسيمفونية الإقصاء والتخوين والتحدي التي ما يزال يرددها بعض السوريين، ومن والاهم، ممن يتنقلون كالدبابير من محطة فضائية إلى أخرى، مُردِّدين خطابًا خشبيًا واحدًا، تمامًا كما كان حال خطاب القومجيين العرب أيام الستينيات وما بعدها، عندما كان لسان حالهم جعل الأسطول الأميركي السادس طعامًا لأسماك البحر المتوسط، وإغراق “إسرائيل” فيه؟

من يتابع الماكينة الإعلامية السورية اليوم، والمشهد السوري الداخلي برمته؛ يلاحظ طغيان شعار الدعوة لإعادة بناء الوطن يدًا بيد، وكيفية إعمار سورية الجديدة، التي ستتحول إلى أكبر ورشة إعادة أعمار وبناء في العالم، الأولوية فيها للأصدقاء، وفقًا لتصريح وزير الاقتصاد، بتاريخ 21/ 8/ 2017.

ولذلك، تُقام -بالتوازي مع تلك الاحتفالات- المؤتمرات والمعارض، وتنعقد اللقاءات والندوات والنشاطات، تلقى فيها المواعظ والدروس والدراسات. المفارقة الغريبة هنا هي أن الجميع يتحدثون عن كيفية إعادة بناء سورية وإعمارها، لكنهم لا يتحدثون بالمطلق عن كيفية إعادة حمايتها، وتحصينها من الانهيار مرةً أخرى!

وعلى ذلك؛ فإذا عاد ذلك المراسل؛ فإنه لا شك سيقول: إن تلك الاحتفالات والخطابات ليست لإعادة بناء الوطن، وتوحيد جميع أطياف الشعب، بمقدار ما هي إعادة السوريين إلى الطريق التي أوصلتهم إلى هذا المصير المحتوم. سيقول بالفم الملآن إن السوريين، بكل أسف، لم يتعلموا الدرس، لأنهم لا يريدون أن يقرؤوا التاريخ، لذلك فهم مُجبرون على أن يعيدوه، وفقًا لإدموند بيرك.

يُقال إن ما يتعلمه الإنسان في عشرة أيام من الألم، يفوق ما يتعلمه في عشر سنوات من السعادة، وهو ما دعا عددًا من المفكرين والمثقفين العرب -من بينهم محمد عابد الجابري، ومحمد الأنصاري، وهاشم صالح، ونديم بيطار- إلى تمني وقوع هزيمة للعرب، من شأنها إيقاع ذلك الألم، لكن للأسف، وخلافًا لكل أمم الأرض، فإن العرب لم يتعلموا لا من تعدد انكساراتهم، ولا من استمرار أوجاعهم.

أيُّ درسٍ أقسى وأشنع من الدرس الذي عاشه الشعب السوري، على مدار أكثر من سبعة أعوام؟ سنوات الهولوكوست السوري، المخضبة بدماء مئات الآلاف من الشهداء، وملايين المهجرين، فضلًا عمّا تعرضوا له من حصار وتجويع، أكلوا خلاله لحوم القطط والكلاب، كسابقة لم تحصل في التاريخ الإنساني، إلا إبّان حصار المخيمات الفلسطينية في لبنان.

لا شك في أن نكبات العرب ليست استثناءً في حياة الشعوب والأمم، التي ناضلت وجاهدت حتى صنعت تاريخها المخضب بدماء أبنائها، بعد أن كابدت أبشع المآسي والويلات، هذه الأمم بالطبع لم تتمنَ حدوث مثل ذلك، لكن الاستثناء هو أنها لم تتردّد في الاعتراف بانكساراتها وهزائمها، رغم قسوتها.

تعلمّت تلك الأمم من أخطائها، فمنعت تكرارها، أما الدول التي حاولت تجميل تاريخها، فتحسب كل انتصار انكسار، وكل هزيمة انتصار، كما هو حال أمتنا العربية اليوم، ولا شك أنها ستكرر تلك الأخطاء وستشهد ذلك المصير.

نصل إلى نتيجة غاية في الأهمية، مفادها أن حصول تلك الهزائم، والاعتراف بالأخطاء التي تسبّبت في ذلك، هو ما مكّن تلك الأمم من تجّنب تكرار تلك الكارثة، وبالتالي هو ما أهّلها للانطلاق نحو المستقبل دون قـيود، ودون بيع للأوهام وخداع الجماهير المكلومة. والتجربة الألمانية خير مثال على ذلك؛ إذ تشير كافة المعطيات -بما لا يدع مجالًا للشك- إلى أن التقدم والتطور الذي شهدته ألمانيا، ما كان له أن يحصل لو لم يتم الاعتراف بتلك الأخطاء وتشخيصها، وحجم الخسائر الفادحة التي منيت بها، وما تعرّضت له من ويلات وأهوال.

بالتالي، لا يمكن لألمانيا أن تعيد توحيد البلاد والعباد؛ لو لم تعترف بالثمن الكبير الذي دفعته نتيجة سياسة المكابرة وعدم الواقعية، وبهذا الاعتراف، ضمنت ألمانيا سلامة عقول أطفالها، وكسبت احترام وتقدير العالم أجمع، ومثلها أيضًا كان حال اليابان، التي قصمت ظهرها القنبلتان النوويتان اللتان ألقيتا على كل من هيروشيما وناغازاكي.

السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار: ما الدرس الذي استفاد منه السوريون مما كابدوه من جراح ومآسٍ وويلات، طوال سنوات هذه النكبة؟ ثم ما الذي ينقصهم عن بقية شعوب الأرض، حتى لا يتعلموا؟

خصوصًا أن الحضارة الإنسانية، وفقًا لمؤرخ الحضارات: توينبي (1889 – 1975)، لم تكن نتيجة لسمو جنس بشري على آخر، أو نتيجةً لبيئة جغرافية معينة، وإنما نتيجة الاستجابة لتحديات معينة تتسم بالصعوبة، وتستثير الإنسان للقيام بجهدٍ يوازي هذا التحدي.

هنا تكمن روح التحدي التي يشير إليها توينبي، بوجود هذا التحدي، ومقدار الاستجابة التي يمكن لهذه الأمة أن تنهض، فتبادر لمواجهته بالآليات المطلوبة، وإلا؛ تجمدّت هذه الأمة وبقيت على ما هي عليه، على اعتبار أن معايير تطور الحضارات، ينبغي أن تكون من خلال مضي المجتمع من تحدٍ إلى استجابة، ومن ثم إلى تحديات جديدة واستجابات تُقابلها، وهكذا.

هنا يكمن سر الفروقات الجوهرية، بين شعوب وشعوب أخرى، وهو ما جعل توينبي، يشبّه المجتمعات التي تعيش حالة الركود ولا تُنشد التغيير، بالنائم على حافة الجبل، في حين يصف المجتمعات التي تتصف بالدينامية (التغيير والنمو) بالنائم الذي استيقظ وأخذ يكافح كيف يتسلّق هذا الجبل، والسؤال الذي يطرح نفسه أيضًا أي نومة سيبقى السوريون ينامونها؟ وعلى أي جانب سيستلقون؟

في الحرب العالمية الثانية، عندما حاصر النازيون مدينة ستالينغراد؛ سارع ستالين إلى توزيع مئة ألف نسخة على المواطنين الروس، من رواية (الحرب والسلام) للروائي الروسي الشهير تولستوي، بهدف تحريض الشعب الروسي على الصمود، وإذكاء حماسة المواجهة في نفوسهم، بما يضمن دحر المعتدين.

المفارقة أنه في الحالة السورية، منذ الأيام الأولى لبداية الأزمة، تم الاكتفاء بالمناداة على قسم من السوريين، وتوزيع شهادات الوطنية عليهم، فيما تمّ التأكيد على توزيع شهادات الخيانة ووهن روح الأمة على القسم الآخر؛ فنتج عن ذلك أن انقسم الجيش قسمين والشعب بات شعبين.

حتى من حاول صادقًا المساهمة في حل الأزمة السورية، لم يسلم من التضييق، وإن كان من ممثلي الشعب؛ يقول محمد حبش، عضو مجلس الشعب السابق: عند بدء اندلاع الاحتجاجات، قمنا بإجراء عدة لقاءات مع نائب الرئيس فاروق الشرع، كنّا نعمل لاحتواء الأزمة، قناعتنا كانت أن سورية لا تحتاج إلى ثورة، وإنما إلى مزيد من الضغط على السلطة، من خلال الشرفاء الوطنيين، لدفعها إلى الاستجابة لمطالب الناس، ووقف احتكار السلطة، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، والسماح بحرية الأحزاب المعارضة، وتبييض السجون، وإحالة المتورطين إلى القضاء، من ثم منع الجيش من الانخراط بمواجهة الناس.

ويضيف: تمكّنا من تأسيس مجموعة من أعضاء مجلس الشعب، تحت عنوان “الطريق الثالث”، هدفها المطالبة بالإصلاح، إلا أن معظم هؤلاء النواب قد استدعوا للتحقيق، وتمّ اقتحام بيوتهم وتفتيشها، وتعرّض بعضهم للضرب على يد الشبيحة، وبالرغم من كل ذلك، مضينا في مشروعنا، وعقدنا أول مؤتمر في فندق (سميراميس) بدمشق 3/ 7/ 2011، ومع أننا كنا نحمل كتابًا خطيًا من نائب الرئيس، فقد أُمِرت إدارة الفندق بإغلاق الأبواب ومنع انعقاد المؤتمر.

كان الحضور كبيرًا وقويًا، لم يقبل الناس بالقرار، فاقتحموا قاعات الفندق، لكنهم وجدوا أنفسهم داخل قاعة المؤتمر من دون إذاعة ولا كهرباء ولا ماء ولا تكييف ولا إضاءة، رغم شدة الحر آنذاك، بعد ساعتين من ذلك أرسل عددًا كبيرًا من الشبيحة إلى قاعة المؤتمر، تمكنوا من تخريب جلساته، وحين طالب أحدهم بإسقاط النظام، اندفع ثلاثة أشخاص إلى ضربه أمام كاميرات التلفزيون، وقد تمّ تكريم هؤلاء بأن أصبح اثنان أعضاء في مجلس الشعب، والثالث محافظًا لحمص.

يتابع حبش: في مؤتمر عقدناه في النادي العائلي 5/7/2011 بموافقة الشرع على طريق المطار، حضر أكثر من ثمانين عضوًا من مجلس الشعب، اعتبر ذلك الموقف تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء، على الرغم من أن سقف المطالب كان منخفضًا، كنا ننسق مع الشرع بوصفه نائب رئيس الجمهورية والمسؤول عن نشاطات الحوار الوطني، كان الشرع يقول “أعطوني توصياتكم، وأنا سأحولها إلى مراسيم”!

بناءً على ذلك؛ فإن الاستجابة للمطالب التي نادت بها قوى التغيير في سورية، وأكدت عليها مجموعة الطريق الثالث المكونة من 80 عضوًا من مجلس الشعب، وفقًا لحبش، أي ثلث أعضاء المجلس تقريبًا البالغ 250 عضوًا، لم تكن استجابة لمؤامرة أو ضغطٍ شعبي وجماهيري أو نيابي، كما فهمها المعنيون بالسلطة، بمقدار ما هي استجابة واعية لتلك التحديات بالآليات المطلوبة، التي تحدّث عنها توينبي، على اعتبار أن تلك المطالب والاستجابة لها، إنما هي بواقع الحال حتمية تاريخية.

خصوصًا إذا ما علمنا أن السوريين، بغالبيتهم العظمى، لم يكونوا في وارد المطالبة بإسقاط النظام، إلا أن تطور الأحداث التي تلت عدم الاستجابة لتلك التحديات بالشكل المطلوب، وما رافق ذلك من إطالة عمر الأزمة، ودخول القوى الخارجية على خطوطها، كان كفيلًا باستمرار هذه المحرقة على النحو الذي نشاهد.

السؤال: ماذا لو تمّ الاستماع مُبكرًا لما قاله الراحل ممدوح عدوان وآخرون، في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب عام 1978، قبل بداية الأزمة بسنوات طويلة؟ ماذا لو تمّ توزيع رواية (المصابيح الزرقاء) للراحل حنا مينا؟ عند بداية الأزمة على جميع السوريين؟ أو (الدماء تدق النوافذ) لممدوح عدوان؟ أو (الفيل يا ملك الزمان) للراحل سعد الله ونوس؟ أو وصية يوسف العظمة، ومثلها وصية سلطان الأطرش؟ بدلًا من توزيع تلك الشهادات.

ماذا لو تمّ توزيع (القصيدة الدمشقية) للراحل نزار قباني؟ على كل طفل سوري: “أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ، هنا جذوري هنا قلبي هنا لغـتي فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟” أو (الوطن مُشرف على التحقيق)، للراحل محمد الماغوط، وغيرها من مآثر وطنية كثيرة، تتغنى بحب الوطن، وقدسية التضحية في سبيله.

أليست مفارقة غريبة عجيبة أنه لم يتم مراجعة مجمل السياسات التي انتُهجَت، خلال أكثر من نصف قرن، والتي كانت سببًا أساسًا في وقوع الكارثة، وما الخطاب الإقصائي والتخويني، الذي يكرره بعض السوريون، والمماطلة لعدم التوصل للحلول السياسية الوطنية المطلوبة، سوى العودة إلى الشرب من نفس الكأس الذي شرب -وما يزال يشرب- منه السوريون اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق