عن انتهاء الاستثمار الأميركي لإيران

بعد تجميد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاقَ النووي مع إيران، وإعلان الولايات المتحدة منطقتي شرق الفرات وجنوب سورية، خطوطًا حمراء يمنع على القوات الإيرانية أو الحليفة لها الوصول إليها، وبعد الضربة الثلاثية (الأميركية – البريطانية – الفرنسية) لقواعد النظام وقواعد تتبع إيران، وقيام “إسرائيل” بشن غارات متكررة على القواعد الإيرانية في سورية؛ يأتي إعلان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، عن استراتيجية بلاده الجديدة تجاه إيران، ليؤكد أن ثمة سياسة أميركية مغايرة يجري انتهاجها، إن في شأن الصراع السوري، أو في شأن التعاطي مع النفوذ الإيراني في المشرق العربي في العراق ولبنان وخصوصًا في سورية.

في الخطوط التي طرحها بومبيو، كسياسة أميركية إزاء إيران، ثمة 12 شرطًا، منها، إنهاء دعم إيران لـ “الجماعات الإرهابية” في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها (حزب الله)، واحترام إيران لسيادة الحكومة العراقية، ووقف دعم الميليشيات الحوثية، والعمل على تحقيق تسوية سياسية في اليمن، وسحب جميع القوات الإيرانية من سورية، ووقف إيران تهديداتها لدول المنطقة. أي أن الأمر لم يعد يتوقف عند إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وإنما بات يشمل إنهاء أو تحجيم نفوذ إيران على الصعيد الإقليمي، في اليمن والعراق وسورية.

يمكن الاستنتاج من ذلك أن الاستراتيجية الأميركية السابقة التي أُسست على التساهل مع إيران، بخصوص برنامجها النووي كما بخصوص تدخلاتها في هذه الدولة أو تلك، قد انتهت، وأن القرار بشأن إعادة إيران إلى حجمها الطبيعي، أو إلى داخل حدودها، قد اتُّخذ ولا رجعة فيه.

المعنى من ذلك أن صعود نفوذ إيران في المشرق العربي لم يكن صدفة، بل كان يتقاطع مع استراتيجية أميركية معينة، أو يشتغل في إطار توظيفاتها؛ إذ إن إيران هي التي استطاعت تصديع البني الدولتية والمجتمعية في العراق وسورية ولبنان واليمن، أكثر من أي طرف آخر، حتى أكثر من “إسرائيل”، وهذا هو التوظيف، أو المغزى، من الاستثمار الأميركي (والإسرائيلي) لإيران في المنطقة.

هذا يفسر سبب قيام الولايات المتحدة بتسليم العراق، بعد إسقاط نظام صدام (2003)، إلى إيران، عبر الميليشيات التي تتبع لها، وسبب التساهل مع البرنامج النووي الإيراني، وسبب السماح بالتدخل العسكري الإيراني في سورية. أيضًا فإن ذلك كله يحفز على طرح السؤال الآتي: هل أسهمت عوائد السياسة الإيرانية، في المشرق العربي (في العراق ولبنان وسورية)، في تقوية هذه البلدان وتعزيز وحدتها المجتمعية أم أنها فعلت عكس ذلك؟ أو هل أسهمت هذه السياسات في إضعاف مكانة “إسرائيل” أم أنها أسهمت في تقويتها إزاء محيطها، وجعلتها أكثر أمنًا من ذي قبل ولعقود قادمة؟ إن التفكير بموضوعية في تلك الملاحظات أو التساؤلات يحيلنا إلى فهم كيفية استفادة الولايات المتحدة و”إسرائيل” من إيران، أو تحويلها إلى مجرد أداة في خدمة سياساتها.

الآن، توضّح أن كل المؤشرات التي ذكرناها بأن سياسة الاستثمار الأميركية تلك قد انتهت، وأنه آن الأوان لإفهام إيران، بالدبلوماسية أو بالقوة، أن عليها أن تصحو من نشوتها، أو من حلمها بالسيطرة على أربع عواصم عربية (صنعاء وبيروت ودمشق والعراق)، وأن هذا كان مجرد حلم، أو أضغاث أحلام. إذ حتى روسيا لن تسمح لها بذلك، وهي التي استدعت، قبل أيام، رئيسَ النظام إلى سوتشي، مجددًا، للتوضيح له بأن ثمة خطوطًا جديدة للصراع سيجري رسمها، وأن هذا يتطلب تحجيم النفوذ الإيراني، لفتح صفحة مغايرة في الصراع السوري.

فوق كل تلك المعطيات المهمة، فإن الغارات الإسرائيلية المتكررة، منذ بداية هذا العام، ولا سيّما خلال هذا الشهر والذي سبقه، على مواقع إيرانية تحديدًا، هي رسالة قوية في هذا الاتجاه، إلى إيران، وإلى كل من يهمّه الأمر. ومغزى هذه الرسالة أن “إسرائيل” (ومن ورائها أميركا)، تسامحت مع إيران للقيام بدور محدد، هو تصديع البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي، وأن هذا الدور قد انتهى أو استنفد أغراضه، وعلى ذلك؛ فمن غير المسموح لها أن تستثمر هذا الدور في تكريس نفوذها في المنطقة، وعلى الحدود مع “إسرائيل”، على نحوِ ما تحلم أو تتوهم، وهذا هو مغزى وجود نتنياهو، قبل أسبوع في موسكو، وإعلانه من هناك عن الضربات العسكرية الإسرائيلية، التي استهدفت معظم القواعد الإيرانية في سورية، والتي تبعها قبل يومين استهداف قواعد لوجستية إيرانية حول دمشق، استهدفت ما يُعرف بثكنات “الحرب الإلكترونية” و”مدرسة أمن الدولة” (في بلدة نجها).

على ذلك؛ فنحن بعيدون، بقدر ما نحن قريبون، من نهاية الصراع السوري، أي أن الأمر بات يتعلق بإخراج إيران وميليشياتها من سورية، بعد الانتهاء من (داعش)، وربما من “جبهة النصرة” قريبًا، لذا يمكن اعتبار أن الأشهر القادمة هي الأكثر مصيرية في تحديد مآلات الصراع السوري.