أميركا وأوروبا وبدايات أفول الحقبة الإيرانية في المنطقة

لعلنا نتذكّر المصطلح الذي استخدمه رامسفيلد: “أوروبا القديمة”، ردًا على الدول الأوروبية التي عارضت توجه الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش نحو غزو العراق، بهدف إسقاط نظام صدام حسين عام 2003. وكان من الواضح في ذلك الحين أنه يلمح إلى إمكانية اعتماد الولايات المتحدة على الدول الأوروبية الشرقية، التي كانت قد تحررت للتو من الهيمنة الروسية في عهد الاتحاد السوفييتي، وسعت بوتائر متسارعة للتقارب مع الغرب، والناتو تحديدًا، الأمر الذي أحدث خلخلة كبرى في الحسابات الاستراتيجية الروسية، لا سيما أن التطورات والتحولات المعنية كانت تنذر بانتشار القواعد الأميركية على تخومها مباشرة، وليس فقط في مناطق نفوذها.

المشهد نفسه يتكرر اليوم تقريبًا في يومنا الراهن، بعد الخلاف العلني الذي نشب بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية التي قررت الانسحاب من الاتفاقية النووية الإيرانية. واللافت هنا هو أن بريطانيا كانت، في حالة غزو العراق، في صف الولايات المتحدة، ولكنها هذه المرة تنتقد هي الأخرى الخطوة الأميركية الخاصة بالانسحاب من الاتفاقية المعنية، وهي الاتفاقية التي غض من أجلها أوباما النظر عن التمدد الإيراني في دول المنطقة، ووافق على تدخل روسيا بقوة في سورية إلى جانب النظام، وهذا ما مكّن الروس من استرجاع هيبتهم ونفوذهم في منطقة الشرق الأوسط، كما استطاعوا ضم تركيا، الحليف التقليدي للولايات المتحدة، إلى جهودهم مع النظام الإيراني في إطار مسار أستانا الذي من نتائجه دخول قوات النظام وحلفائه إلى حلب والغوطة وريف حمص الشمالي، وغيرها من المناطق، التي كانت خاضعة للفصائل العسكرية المعارضة.

الجدير بالملاحظة هنا أن التباين الأوروبي الأميركي لا يقتصر على الموضوع الإيراني فحسب؛ بل يشمل قضايا أخرى، اقتصادية وعسكرية وسياسية، منها على سبيل المثال: إجراءات الحماية الجمركية التي فرضها ترامب على الواردات الأجنبية إلى السوق الأميركية، ومنها ما يتصل بمطالبة أعضاء حلف الناتو من الأوربيين برفع ميزانياتهم الدفاعية إلى 2 بالمئة، ليتمكنوا من القيام بأعبائهم ضمن حلف الناتو.

إلى جانب ذلك، تتأثر الدول الأوروبية بصورة مباشرة ملموسة بالمتغيرات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك من جهة تزايد عدد اللاجئين والعمليات الإرهابية، وتأثر الشركات الأوروبية بواقع عدم الاستقرار، وتنامي التيار الشعبوي اليميني المتطرف، والتحسّب من نتائج تصاعد الدور الروسي في المنطقة، وفي أوروبا الشرقية.

هذا كله مقابل عدم وجود وضوح كامل في الرؤية الأميركية حول كيفية التعامل مع ملفات المنطقة، سواء في سورية أم العراق أم لبنان أم اليمين أم ليبيا.

هذه الأسباب، وغيرها، قد دفعَت الأوروبيين إلى رفع الصوت النقدي بصورة علنية في مواجهة السياسات والإجراءات الأميركية، لأنها بدأت تؤثر على الأوروبيين بصورة واضحة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل سنشهد -أوروبيًا- نقلة نوعية في حركة التحالفات والاصطفافات الدولية والإقليمية المتسارعة التي تشمل مناطق عدة من العالم؟ أم أن المصالح العضوية المتبادلة المتداخلة بعمق بين الأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية لا تسمح بأمر من هذا القبيل. وإنما كل ما هنالك مجرد عتب أو نقد داخلي لن يتجاوز الأطر المتوافق عليها؟

لقد أعلنت الدول الأوروبية من جانبها أنها ستعمل من أجل إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران. وليس من المستبعد أن تنسّق الجهود مع روسيا في هذا المجال، خاصة أن هناك ملفات بينهم تدخل في حقل الاهتمامات المشتركة، ومنها الملف السوري، والأوكراني، ومسائل الطاقة وغيرها.

ولكن في جميع الأحوال، من المستبعد حاليًا أن يستنتج المرء، مما يجري ويتراكم، أننا سنشهد اصطفافًا أوروبيًا إلى جانب الروس كما حصل مع تركيا. وإنما التوقع هو أن تبذل أوروبا الجهود من أجل جَسر الهوة بين روسيا والولايات المتحدة ضمن حدود المستطاع، وذلك لما يحقق ذلك لها، في حال بلوغه، من استقرار هي بأمس الحاجة إليه.

وبموازاة ذلك، فإن الأوروبيين في انتظار نتائج الحزم الأميركي المعلن تجاه إيران. فإذا تُرجمت الأقوال أفعالًا واقعية على الأرض، عبر إجراءات أميركية واضحة تحدّ من النفوذ الإيراني في كل من سورية والعراق؛ فستكون الأرضية مهيأة بالنسبة إلى الأوروبيين لبذل المزيد من الجهود بغية التقريب بين الروس والأميركيين، أو على الأقل الحد من وتيرة التباينات نسبيًا بين الطرفين، وذلك منعًا من وصول الأمور بينهما إلى مستويات الحرب الباردة التي كانت. لأن ذلك، في حال حدوثه، سيحّمل الأوروبيين أكثر من غيرهم أعباء اقتصادية وعسكرية مكلفة.

في هذا السياق، يمكننا أن نتوقف عند التشدد الأميركي مع “حزب الله” الذي تمثل في وضع زعيمه إلى جانب العديد من قيادات الصف الأول فيه على لائحة الإرهاب. كما أن الاستراتيجية الأميركية المتشددة تجاه إيران التي أعلن عنها بومبيو بشروطها الاثني عشر ترجّح استنتاجًا فحواه أننا سنشهد المزيد من التصعيد، وربما جولات ساخنة تُفهم الإيرانيين بأن دورهم المهيمن في سورية والمنطقة لم يعد مقبولًا، على الأقل وفق الشروط القديمة. وليس من المستبعد أن تصدر قرارات مشابهة تطال قيادات من الميليشيات العراقية التابعة للنظام الإيراني. كما أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة ضد التواجد الإيراني في سورية، هي الأخرى لافتة، وتوحي بدخول المنطقة مرحلة ما بعد (داعش).

فالنظام الإيراني قد استغل فزّاعة (داعش)، لينتشر في مختلف المناطق السورية. كما تمكّن من الدخول إلى صلب المؤسسة العسكرية العراقية عبر “الحشد الشعبي”. وها هو اليوم يعمل من أجل الهيمنة السياسية على المؤسسات العراقية من خلال البرلمان والحكومة.

لكن يبدو أن الرياح لن تجري دائمًا كما تشتهي السفن الإيرانية، فلكل طرف دور محسوب، ومساحة لحرية الحركة لا يسمح له بتجاوزها. والنظام الإيراني يدرك ذلك تمامًا، فهو لم يعد في مواجهة مع فصائل متناحرة لا تمتلك الإمكانات والقرار؛ وإنما بات في لعبة مكشوفة مع الدول الكبرى التي ليس من المستبعد أن تتوافق على مواجهة الإرهاب “الشيعي” المنضبط، بعد أن أعلنت انتصارها على الإرهاب “السنّي” المنفلت. هذا في حين أن هناك ما يؤكد أن الإرهاب المنظم هو الذي ابتكر فزاعة الإرهاب الداعشي، وقبله القاعدي، ليسوّق نفسه بطلًا في ميدان مقارعة الإرهاب باعتباره الأكثر قدرة وجدّية.

التطورات والمتغيرات متسارعة، والصورة معقدة من الخارج. ولكن في جميع الأحوال هناك مؤشرات عدة يستشف منها بأننا دخلنا مرحلة التصفيات شبه النهائية. ومع أن ملامح القادم المنتظر ما زالت ضبابية، ولكن القرائن جميعها تقريبًا تؤكد أن الاندفاع الإيراني في المنطقة، على مختلف الجبهات، في طريقه نحو التراجع.