تحقيقات وتقارير سياسية

رسالة التعفيش الفلسطينية والعار المتراكم

عشرات الصور والأفلام والشهادات الحية، بعضها كان يُنقل على الهواء مباشرة في بثّ لعمليات التعفيش المستمر في مخيم اليرموك، جُلها بعدسات الموالين للنظام، مما يسمى بـ “لواء القدس” أو القيادة العامة وفتح الانتفاضة، حيث جال معظم العناصر بين الأزقة والشوارع، لا لكي يغتنموا الفرصة مثل قوات الأسد “المنتصرة” بل ليقوموا بمهمة نقل الصورة، ومنهم من لم يُسمح له بالاقتراب مما بقي من أثاث منزله وركامه، ومع ذلك فإن مهمة الصورة حصريًا هي نقل رسالة مفادها أن عودة السكان لليرموك مستحيلة، وهي رسالة كانت تنقل من معظم المناطق السورية التي وصلت إليها عصابات الأسد غازية ومعفشة.

لن نتوقف عند ظاهرة التعفيش وأسبابها المعروفة في بنية وتركيبة النظام، فالتأكيد على سياسة تحطيم حياة السكان هي الرسالة المهمة المراد توجيهها بوحشية وقسوة لمن تبقى من السكان، داخل حدود سورية وخارجها. رسالة التعفيش الفلسطينية هي المهمة في الإشارة والدلالة، وإن القسم الأكبر من الفصائل التي كانت -وما زالت- تساند الأسد في جرائمه، علّها تحظى بفتات الغنائم، بدت أكثر انحطاطًا، كما أظهرت بعض الصور والأفلام من طريقة تعاطي عناصر التعفيش الأسدي مع مصور “الإعلام الحربي للواء القدس” الذي منعته من الاقتراب من منزله الذي كان يُسرق أمام عينيه، وهي تنطوي على إظهار الموقع السفلي الذي تحظى به العصابة الرديفة للنظام.

لعل “الانسجام” الذي كان يفقده رُدفاء الأسد من حركة “تحرر وطني” فلسطيني، الذين أنكروا بالأمس القريب كلّ دمار وتهجير وتعذيب وقتل وقع على السوريين والفلسطينيين من أبناء جلدتهم، دفعهم إلى مزيد من ممارسة “الاستهبال”، في حملة تدمير المخيم وتعفيشه الذي وصل حتى إلى مكاتب “الحركة الوطنية” التي دمّر الطاغية (منابرها) لتمارس من فوقها طقوس النصر المقدس على المؤامرة.

بوسعنا أن نسجل هنا، بعيدًا من أناقة التردد، أن ما حدث في اليرموك، كمشهد بصري مباشر للتعفيش بعد التدمير، يراد منه إرسال تلك الرسائل التي وصلت إلى ملايين السوريين من قبل، وهي نقطة انعطاف مؤثرة في مسيرة الشعب الفلسطيني في سورية، فكما خُذل الفلسطيني من قبل يُخذل السوري والفلسطيني مجددًا، في مرحلة تنطوي على حد ما من الانسجام، بين القدرة العملية لوحشية النظام وبين المعاني التاريخية التي تمثلها وظيفته المتوجة بتحطيم حياة المجتمع السوري الثائر على طغيانه.

لم يعد السوري الفلسطيني قادرًا على امتصاص مزيدٍ من الفواجع، في اليرموك ثمة فواجع لا تختلف عن تلك التي حدثت في التريمسة وجديدة الفضل، والقصير والحولة، وتفتناز، وصولًا إلى مجزرة قبيلة الشعيطات في دير الزور، إلى آخر قائمة من المجازر المضاف إليها تطهير عرقي وتغيير سكاني، شهدته مناطق كثيرة، لكن اليرموك الذي توهم بعض أنصار الأسد من “حركة التحرر الوطني” أنه سيمتلك قدرة لفك ارتباط النظام مع الوحشية تجاه اليرموك، لم يكن مخطئًا فقط، بل كان يرمي على أكتاف النظام عباءة التبرير والخنوع والمشاركة في إتمام الجريمة التي كانت تنذر بسقوط العقائد والشعارات على أعتاب اليرموك في أزقته المتهالكة، بين بيوته المتراصفة وجدرانه المتلاصقة، التي رفعت شعارات وصور لآلاف الشهداء الذين حرثت طائرات الأسد مقابرهم القديمة والجديدة.

رسالة التعفيش الفلسطينية من يفهمها؟ وإلى من تصل؟ هل ستصل إلى عشرات آلاف الفلسطينيين المهجرين، أم أنها ستعبر الحدود، ليفهم العدو أيضًا أن ما عجز عنه طوال سبعة عقود أنجزه الأسد بثلاثين يومًا في اليرموك!

ليست تلك مفارقة، ليس بوسع أي “نصر” أو سيطرة للطاغية، أن يفرض شيئًا غير ما شهدناه في الأعوام الماضية، من قصف وقتل ومجازر وتهجير واعتقال، هذي هي “أعظم” إنجازات سفاح سورية، وهي تشكل مجتمعةً، قاعدة ضرورية لأن يقف العالم كله ويقول للمجرم كفى. من يعتقد أنه ينتصر في اليرموك، أو في داريّا ودوما والرقة ودير الزور، وبأنه بطلٌ في تعفيش حياة السوريين لجعلها جحيمًا، وأنها ستكون وسادة هانئة للسفاح، دون أن تبزغ شمس سورية وفلسطين؛ فلن يكون في الأفق سوى حامل عارٍ يتراكم كل لحظة يستمر فيها وجود الأسد في حياة السوريين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق