مقالات الرأي

الكتابة والاعتراف

نكتب ثم ننشر، وننشر كي نُقرأ، وعن طريق القراءة؛ يحصل الكاتب على الاعتراف أو لا يحصل. ومن يصرّح بأنه يكتب وينشر، ولا يهمه أمر القارئ، هو شخص لم يُعترف به كاتبًا، حتى لو كان كاتبًا فذًا، وإذا لم يكن هاجس الكاتب الاعتراف بما يكتب؛ فلماذا ينشر إذًا؟
كان الكتاب والمجلة والصحيفة والمنبر والندوة، وما زالت هذه القنوات، وسائل حضور الكاتب، وأسباب حصوله على الاعتراف، ويكمن معيار الاعتراف في الأثر الذي يطبعه في عقل الآخر ووجدانه، سواء أكان الأثر على خاصة الخاصة، أم على الخاصة، أم على العوام.
لا شك أن الاعتراف مسألة في غاية التعقيد، وبخاصة أنها مرتبطة بالذوق العام والذهنية السائدة، وعدم الاعتراف قد يكون ثمرة انحطاط الذوق والمعرفة، وليس ثمرة مكانة المبدع وآثاره، وقد يمضي زمن طويل، قبل أن يعترف التاريخ بمبدع فذ.
شكا شوبنهاور من تجاهل الوسط الأكاديمي لكتابه (العالم إرادة وفكرة)، ومضى زمن طويل، قبل أن يتحول الكتاب إلى واحد من أهم منابع الفكر الفلسفي اللاحق، وحين ألّف نيتشه كتابه الأشهر (هكذا تكلم زرادشت)، لم يطبع منه إلا أربعين نسخة وزعها على أصدقائه، ثم أصبح الكتاب حتى هذه اللحظة من أشهر الكتب التي تُعاد طباعتها بمئات الآلاف من النسخ، وقلّما تجد لغة لم يُنقل هذا الكتاب إليها، ولم تتم عملية الاعتراف بفان كوخ إلا بعد رحيله بسنوات طويلة، وهكذا، غير أن طلب الشهرة أمرٌ آخر.
يمكن للشخص أن يُعرّف نفسه كما يشاء، فهو حرّ في ذلك، كأن يضع لقب الدكتور صفة لازمة قبل اسمه، رغبة في استغلال هذا اللقب الأثير لدى العامة، أو يُعرّف نفسه بالشاعر أو الروائي أو المفكر، ويمكن أن يضيف المهنة، إذا كانت ذات قيمة لدى الجمهور، ويمكن أن يخبرنا أنه حصل على جائزة من هنا وجائزة من هناك، تُمنح عادة من جهات محلية تشجيعًا للشباب، ويمكن أن يكتب تعليقًا صارخًا يصدم المتلقي، ويمكن أن يتوسل المشاجرة مع من أكدوا حضورهم في الحياة وحصلوا على شهرة غير قابلة للفناء، رغبة في حصوله على الشهرة، ولكن هذه الطرق، وهي في الغالب فجة، تُعبّر عن تأفف من حال النكرة، وهي لا تنجب في الغالب اعترافًا، وقد تُنجب شهرة ما، وهناك فرق بين الاعتراف والشهرة.
كل اعتراف يقود إلى الشهرة، ولكن الشهرة لا تعني الاعتراف، فقد تأتي الشهرة إلى أكثر الناس سوءًا، كشهرة شاعر يُدافع عن سياسة دكتاتور في القتل والتدمير والإطاحة بالسيادة.
لا يأتي الاعتراف عنوة، ولا عن طريق رغبة مسبقة، الاعتراف هو جزء أساس من السيرة الذاتية للإبداع، كل مبدع أدبي أو فنان تشكيلي أو فيلسوف إنما ينتج سيرته الذاتية عبر نشاطه الكتابي والفني؛ فيصبح الاعتراف ثمرة من ثمرات سيرته الذاتية، كما تغدو سيرته الذاتية جزءًا من سيرة الاعتراف به.
لكن أن يخوض شخص ما حربًا ضروسًا وشجارًا مع الآخر، من أجل الاعتراف على صفحات (فيسبوك) أو في الصحافة، فهذه حرب لا أخلاقية، لن تُنتج الاعتراف بالأثر ولن تُنتج أثرًا، إلا إذا كان صاحب المعارك اللاأخلاقية يظن أن حضور اسمه في سوق (فيسبوك) دون أثر لكتابته هو الاعتراف.
مع ذلك، فإن وجود الكويتب ضروري للحياة المبتذلة، ضروري حتى لو كان عارضًا فاشلًا لكتب للآخرين، حتى لو كان مترجمًا سيئًا، حتى لو كان سوقي النقد، حتى لو قتلته شهوة الحضور وهو خالٍ من شروطها، حتى لو استشهد بين الجملة والأخرى بأقوال المشاهير، حتى لو كان فصاميًا سجين أوهامه، حتى لو تطاول على المبدعين، حتى لو افتقر إلى الذوق الجمالي، حتى لو لم يتخلص من فجاجته الرعاعية، حتى لو كتب ما يشبه الكتابة، حتى لو كان لسانَ حال دكتاتور صغير، حتى لو، حتى لو. فهناك صفحات، في الصحافة و(فيسبوك) و(تويتر)، ستظل فارغة في غيابه، وهي تحتاج إليه ليملأها بحماقاته، كما أن هناك الكثير من الحمقى ينتظرون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق