بين “الفكر” الاقتصادي الحديث و”الحلم” بالعدالة

“الحلم” الإنساني بالعدالة والحياة المُثلى قديم، منذ أول “ظلم” تعرض له الإنسان على يد “أخيه” الإنسان، واسترقاق أول “عبد”، وانقسام المجتمعات إلى أغنياء لا يعملون، وفقراء يُنهكهم العمل ويُضنيهم الجوع. تجلّى هذا “الحلم” والطموح لتحقيقه بأشكال متعددة عبر التاريخ. حدثت تمردات وانتفاضات، وقامت ثورات، وشُنت حروب. كما طُرحت “رؤى” فلسفية وسياسية واجتماعية، في سياق ذاك الصراع التاريخي. جاءت سلسلة “المدن الفاضلة” تعبيرًا عن طموح إنساني لحياة بشرية أفضل. وكان من الطبيعي والمنطقي أن تقتصر “المدن الفاضلة” على الأمنيات والتخيلات، وتنطبع بـ “قيم” زمانها وأخلاقياته. “جمهورية” أفلاطون كانت “فاضلة”! لعُشر سكانها، لليونانيين دون “البرابرة”! لرجالها لا لنسائها، للأحرار وليس للعبيد. وكُتُب مثل (آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي و (يوتوبيا) توماس مور و(مدينة الشمس) لتوماس كامبانيلا، ظلت خيالات تُعبّر عن أمنيات لا تستند إلى تحليل الواقع، ولا تحاول بناء تجارب عملية لتجاوزه. لكن “العصر الحديث”، بوقائعه ومعطياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية، مكّن من توليد تيارات فكرية وسياسية، وضعت “نظريات” تحاول تحليل الواقع وتفسيره. واقترحت “خطط” عمل، ودعت للقيام بـ “تجارب” عملية لتغييره. فكيف وَلّد عصر “التحديث” و”الحداثة” ما عُرف بالتيارات الاشتراكية المختلفة والمتنوعة؟

أدى التطور التكنولوجي، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر: الآلة البخارية سنة 1770 والمغزل الآلي سنة 1785، إلى قيام الثورة الصناعية في إنكلترا، وانتشارها في أوروبا خلال القرن التاسع عشر. وبفضل التطور الصناعي؛ انتقلت الرأسمالية من مرحلة الرأسمالية التجارية التي ظهرت في القرن السادس عشر، على إثر انهيار الإِقطاع إلى مرحلة الرأسمالية الصناعية. وتأسس الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الحديث، مع صعود الرأسمالية الصناعية، على أعمال أهم رواد المدرسة الكلاسيكية مثل آدم سميث (1723 – 1790)، ديفيد ريكاردو (1772 – 1823)، جون ستيوارت ميل (1806 – 1873) وغيرهم. قامت الرأسمالية الصناعية على أساس الفصل بين “رأس المال” و”قوة العمل”، أي بين الآلة والإِنسان. لم تغب الآثار الاجتماعية لتلك التطورات عن فكر أولئك الروّاد. فقد طالب ستيوارت ميل، على سبيل المثال لا الحصر، بالجمع بين فكرة السوق الحرّ وفكر التدخّل الاجتماعي، ونادى بالضمان الاجتماعي وأمن العمل والحفاظ على الصحّة العامة والحماية من الفقر. غير أن تلك الأفكار والمناشدات لم تمنع تفاقم بؤس الطبقة العاملة؛ فمع التوسع في المصانع الآلية الحديثة على حساب المشاغل اليدوية، بسبب زيادة انتشار الآلات في الصناعة؛ ارتفعت معدلات البطالة، وانخفضت مستويات الأجور، وزادت ساعات العمل وارتفعت نسبة الفقر؛ ما ولّد تيارات عديدة حاولت البحث عن “فكر” اقتصادي يتضمن “رؤى” لتحقيق العدالة الاجتماعية، تمثلت بتيارات “اشتراكية” كثيرة التنوع والاختلاف. من تلك التيارات تيار الاشتراكية “المثالية”، “الطوباوية أو الخيالية”. وهي مجموعة “الأفكار” الاشتراكية التي ظهرت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وعُرفت تلك الأفكار بـ “المثالية” بمعيار الطموحات التي تهدف إليها، وبـ “الخيالية” (طوباوية) نظرًا إلى فشل مشاريع الإصلاح التي اقترحتها، وعجزها عن تحقيق الأهداف المرجوة منها. من رواد هذا التيار شارل فورييه وسان سيمون.

شارل فورييه (1772 – 1837)

اتسمت أفكار الاقتصادي والفيلسوف الفرنسي شارل فورييه بنظرة أحادية الجانب إلى التطورات الحاصلة في زمانه. لم يرَ سوى جانبها المظلم غافلًا عمّا تحمله من إمكانات التحديث وممكنات التطور. لذلك جاءت نظرته مُغرقة في التشاؤم ومُتخمة بنزعة الحنين إلى الماضي (النوستالوجيا)، إن لم نصفها بـ “الرجعية” بالمعنى التاريخي للكلمة. هاجم صعود الرأسمالية الصناعية، ورأى أنّ تقدّم الصناعة يتسبّب في المزيد من إفقار العمال وبؤسهم. واعتبر المجتمع الصناعي عالمًا يسير بالمقلوب، داعيًا إلى زيادة الاهتمام بالنشاط الزراعي. ووصف التجار بالطفيليّين الذين يستغلون حاجة البشر ببيع بضائعهم بأثمان تتجاوز قيمتها الحقيقيّة. كذلك حمّل الليبرالية الاقتصاديّة مسؤولية توليد البؤس والفوضى. وانتقد تحكّم الأرستقراطيّة في أجهزة الدولة، وطالب برفاهية المستهلكين وتوفير أسباب سعادتهم. أدت مشاهدة “فورييه” لبؤس الفقراء في مدينة “ليون”، وبشكل خاص بؤس حياة العمّال نتيجة انخفاض الأجور وارتفاع الأسعار، إلى تأثّره بالأفكار الاشتراكية. وإن عُدّ اشتراكيًا طوباويًا، فهو لم يكن اشتراكيًا بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ لم يطالب بإلغاء الملكية الخاصة، ووقف بشدة ضد الثورات وأعمال العنف والإرهاب، وحمل قناعة بأنّ إصلاح المجتمع وتغيير الحياة لا يتم عن طريق الإرشاد والوعظ بل بالإقناع والبرهان العملي عن طريق بناء نموذج يصبح مثالًا صالحًا وقدوة حسنة.

لذلك اقترح إقامة “تجمعات إنتاجية تشاركية”، تُدار على شكل “هيئة تعاونية”، يتم العمل فيها بطريقة “الاتحاد في الإنتاج” و”المشاركة الاختيارية”، بشكل يُتيح لكل فرد العمل وفق قابليته الشخصية، ويحق له تغيير نوع العمل، ويعيش الأفراد حياة جماعية في بناء مشترك. ويرى “فورييه” أن هذا النمط من العمل والحياة يخلق زيادة في الإنتاج، تُتيح لكل فرد اعتزال العمل في سن الثامنة والعشرين وهو ينعم بالسعادة والأمل. وكي يصبح للعمل جاذبيّته يجب تخصيص وقت كبير للاعتناء بزراعة الجنائن والحدائق ورعاية الماشية، ويضمّ كل “تجمع” ما بين 1600 إلى 2000 شخصًا من الرجال والنساء مناصفة، ولا تُلغى الملكية الفردية، ويقدم عضو التجمع ما يملك، ويُقسّم الإنتاج إلى 12 سهمًا، ويُوزّع بنسب 5 أسهم للعمل و4 أسهم للملكية و3 أسهم للخبرة. وتشكّل تلك “التجمعات” أساس الوحدة الاجتماعيّة في المجتمع الجديد المنشود. واتحاد تلك “التجمّعات” الحرّة يشكّل الدولة، ويبدأ تنظيم المجتمع من القاعدة إلى القمة، كي لا يكون فوقيًا تسلّطيًا.

خاب أمل “فورييه” بأن يتطوع أحد الأثرياء بتمويل تجمعاته “الخيالية”؛ إذ لم يتقدم أحد ويمدّ له يد العون، ولم يتحقق “حلمه” في حياته. وبعد وفاته قام بعض مريديه بتطبيق نظريته، وأسّسوا عددًا من “التجمعات” التعاونية. تأسّست واحدة في تكساس الأميركية عام 1855 وفشلت. كما تأسّست أخرى في كويز الفرنسية عام 1859 لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مجرد مزرعة تعاونية عادية عام 1880. كما طبّق نظريته بعض الأميركيين في الولايات المتحدة، وأسّسوا “تجمعات” في مزرعة بروك. لكن تلك التجارب فشلت جميعها، ولم يكتب لأي من تلك المزارع النجاح الاقتصادي.

سان سيمون و(السان سيمونية)

للفيلسوف الفرنسي الكونت كلود هنري دي سان سيمون دورفروا Saint   Simon (1760 – 1825) أهميته الشخصية؛ إذ إنه اشترك في الثورة الأميركية بحماسة وإخلاص، وأيّد الثورة الفرنسية (1789). واستمر مذهبه وفكره بعد وفاته، وحمل مريدوه وتلامذته أفكاره واجتهدوا في إكمالها، وأسّسوا الحركة (السان سيمونية). دعا إلى الاهتمام بالصناعة، وإلى مبدأ تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، وركّز على أهمية الحياة البرلمانية في الاقتصاد، ورأى ضرورة أن تتمثل في الحكومة هيئات من قطاعات الصناعة، والتجارة، والزراعة، والمهندسين. وطالب بـ “تكافؤ الفرص” وليس المساواة التامة. تابع (السان سيمونيون) مذهبه الاشتراكي بدعوتهم إلى إلغاء الميراث بشكله المعهود. رفضوا انتقال الثروة إلى “العائلة”، وقالوا بوجوب أن تؤول هذه الثروة بعد وفاة صاحبها إلى “الدولة“. وعلى الدولة أن تتولى تنظيم الإنتاج، وتُكلّف أصحاب الخبرة القادرين على إدارته لمصلحة المجموع العام، وأن تُعطي الأعمال للأشخاص حسب كفاءتهم، وتُقيّم الكفاءة بإنتاجية العمل وجودته. ويجب تسلم السلطة من قبل الصناعيين وليس العلماء، فهم الرؤساء الحقيقيون للشعب، فالأمة ورشة صناعية واسعة، تزول فيها فروق المولد والنسب، وتبقى اختلافات القدرات.

درس سان سيمون تاريخ أوروبا، منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، وتوصل إلى أن التاريخ يتلخص في الصراع بين العاملين من زرّاع وصنّاع، أي “الطبقة الثالثة”، وبين طبقتي النبلاء (الملوك والإقطاعين) وكبار رجال الدين (الأكليروس). كما شرح كيف أيّد الملوك الطبقة الثالثة، خلال صراعها مع أمراء الإقطاع في العصور الوسطى؛ ما ساعد في تحرر المدن من هيمنة الإقطاع، وتسلم البرجوازية الصاعدة زعامة الطبقة الثالثة. وبعد ذلك قادت البرجوازية الطبقة التي تزعمتها في صراعها اللاحق مع الملوك، كما حدث في الثورة الفرنسية وما بعدها. وبذلك يكون سان سيمون من أوائل المفكرين الذين كشفوا دور المصالح الاقتصادية والاجتماعية في حركة التاريخ. ثم كتب أحد (السان سيمونيين): شڤالييه Chevalier، يقول: “لا يزال الإنسان، حتى الآن، يستغل الإنسان: الأسياد يستغلون العبيد، النبلاء يستغلون العامة، والعاطلون يستغلون المشتغلين، وكذلك السادة يستغلون الخدم. هذا هو تاريخ الإنسانية حتى يومنا هذا”. وتوقع شوفالييه أيضًا دورًا كبيرًا للدولة في الحياة الاقتصادية، إذ يقول: “هناك اتجاه لأن تصبح الدولة موزعًا عامًا للعمل والأجور، وكذلك تتجه لتؤمن معاشًا تقاعديًا لكل المواطنين”. “ستكون الدولة وليس الأسرة الوريث الشرعي لكل الثروات التي تؤلف ما يسميه الاقتصاديون أرصدة الإنتاج”. ثم ما لبث تلامذة سان سيمون أن طالبوا بضرورة إلغاء “الملكية الخاصة”، وليس إلغاء “حق الإرث” فقط، كما كان يقول سان سيمون نفسه. تضمنت (السان سيمونية) أفكارًا اشتراكية كثيرة، حتى عدّها بعضهم المقدمة الطبيعية لـ “البيان الشيوعي” الذي صاغه كل من كارل ماركس وفريدريك إنغلز عام 1848. افتتح ماركس وإنغلز الفصل الأول من البيان بقولهم: “إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن، ليس سوى تاريخ صراع الطبقات. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع. وبكلمة أعم: ظالمون ومظلومون، يخوضون في تعارض دائم حربًا متواصلة، تارة معلنة وطورًا مستترة، حربًا كانت تنتهي في كل مرة، إما بتحول ثوري للمجتمع كله، وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين”.

لم ينحصر اهتمام الحركة (السان سيمونية) داخل حدود فرنسا. فقد نشر سان سيمون في العام 1814 كتابًا بعنوان (نهضة المجتمع الأوروبي)، دعا فيه إلى وحدة أوروبا في دولة متعددة الأمم. فالعنوان الفرعي للكتاب: “حول ضرورة ووسائل تجميع شعوب أوروبا في جسم سياسي واحد، مع احتفاظ كل شعب منها باستقلاله الوطني”. كما يرى بعض المفكرين أنه قدّم أوروبا، بوصفها نموذجًا لإعادة بناء مجتمعات موحدة في ما بينها على الصعيد العالمي. ومن المعروف أن (السان سيمونيين) وصلوا إلى مصر واهتموا بتجربة محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا. وأثّروا في نخبة النهضة المصرية، مثل محمد مظهر وربما علي مبارك أيضًا. وكان لهم دور حاسم في شق قناة السويس، من خلال المهندس لينان دي بلفون والمهندس فرديناد دي لسبس، وتم إنجاز المشروع بين الأعوام 1856-1869.

إذا كانت “المثالية” تُوحّد رواد هذا التيار؛ فإن مقترحاتهم ومشاريعهم “الخيالية” تختلف فيما بينها، وأحيانًا يصل الاختلاف إلى حدّ التناقض: شارل فورييه يُجرّم الصناعة ويُحّملها مسؤولية البؤس والشقاء، ويدعو للعودة إلى الطبيعة والزراعة بنزعة الحنين (النوستالوجيا) إلى الماضي، ويريد بناء المجتمع انطلاقًا من الأسفل إلى الأعلى، من خلال اتحاد “تجمعات إنتاجية تشاركية”، لتجنب قيام “دولة” فوقية تسلطية. سان سيمون يُمجّد الصناعة، ويتطلع إلى المستقبل، ويعطي “الدولة” دورًا محوريًا مُلقيًا على كاهلها مهمة الإصلاح؛ ما استدعى تسمية “اشتراكيته” بـ “اشتراكية الدولة”.