مقالات الرأي

احتجاجات السوريين والهوّة المتوسعة

شكّلت حالة الاستنكار والتذمّر أساسًا في ما يعيشه السوريون، في مناطق سيطرة النظام، فمن الاحتجاج العلني والصارخ على الأوضاع المعيشية الكارثية، إلى الاحتجاج المبطّن والخافت الذي يشوبه الخوف والتردّد، على انتشار السلاح والمسلحين بأزياء مختلفة ورايات متعدّدة، وعلى ممارسات القتل والنهب والتعفيش، التي صارت جزءًا من تحرير المناطق.

تتوالى مشاهد الرفض والتذمّر بعناوين مختلفة في مناطق سيطرة النظام، ولدى جمهور من مؤيدي النظام، كالاحتجاج على تبنّي النظام “رسميًا” قرار التضييق على الإعلام الذي أشعله الكتاب الموجّه من وزير العدل السوري “هشام الشعار”، إلى مجلس الوزراء في 8/ 5/ 2017، فاستنكره صحفيو الصحف الرسمية، باعتباره اعتداء على الصحافة التي ينصّ الدستور على حريتها واستقلاليتها. والاحتجاج على إحداث محاكم جزائية خاصة للنظر بجرائم المعلوماتية والاتصالات، وفق القانون رقم 9 لعام 2018 الذي يسلب السوريين حقّهم بالتعبير والنقد، ويكمّ أفواههم حتى على الهوامش الضيقة لتطبيقات الإنترنيت التي لا تتجاوز حيطان عالم افتراضي، بات محاصرًا وخاضعًا لهيئة تفتيش ومحاكم، لا يثق السوريون بتوجّهاتها التي تجعل السوري متّهمًا كيفما أدار وجهه.

احتجاجات السوريين التي اختلفت مواضيعها، وتباينت حدّتها بحسب الحادثة، كانت أكثر هجومية في ما يخصّ الشأن الديني؛ فالسوريون الذين أُجبروا على الخيار بين نظام يُفترض أنه “علماني”، وبين إرهاب الفصائل الجهادية، كانوا يأملون ببعض التغيير تجاه تحييد الدين عن السياسية، أو على الأقل الكفّ عن اللعب بأوراق الدين والطوائف من قِبل النظام الذي يسعى للهيمنة على الحقل الديني، واستخدامه لتوطيد سلطته من دون حساب للنتائج الكارثية اللاحقة، وهو ما يمكن تبيّنه من الاحتجاجات والامتعاض من الإعلان عن ترخيص “الفريق الديني الشبابي”، وانتخابه لـ “أعضاء المجلـس المـركـزي” في انتخـابـات عـامّـة بتاريخ 7/ 5/ 2018، الذي فتح الكثير من التساؤلات حول توجّه الحكومة السورية وآلية رؤيتها وإدارتها “للوطنية السورية”. فهذا الفريق الذي أُسس في بداية 2016، برعاية وزير الأوقاف “محمد عبد الستار السيّد”، وبإدارة ابنه الشيخ المهندس “عبد الله السيّد”، اعتُبر من قبل الوزير “السيّد” مبادرة وطنية ودينية، واستجابة لمتطلبات الواقع والحالة الاجتماعية لمخاطبة شرائح المجتمع كافة، والتقريب بين الأديان، وتقع على عاتقه مهمة تطوير الخطاب الديني في هذه المرحلة، وإعادة صياغة المصطلحات، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، بهدف نشر الدين الصحيح في مواجهة التطرّف، حسب ما وضّحه الرئيس الأسد، في استقباله أعضاء الفريق الديني الشبابي المؤلّف من خطباء وأئمّة ودعاة من كل المحافظات، في 15/ 2/ 2017. لكن هذا التمهيد لتثبيت دعائم فريق ديني والسماح له بالتغلغل في المجتمع وترخيصه، بالرغم من منع الدستور السوري ترخيص الأحزاب والهيئات الدينية، لم يرَ فيه السوريون إعلاءً للوطنية أو خطوة وطنية، وإنما رأوه جزءًا من التطرف الديني، واستكمالًا لهدم البلاد، وتعزيزًا للفرقة المجتمعية، وتأسيسًا لمراحل من بلاء قادم.

الاحتجاج على “الفريق الديني الشبابي” لم يكن الأول من نوعه؛ إذ إنه لا ينفصل عن التذمّر من الشعارات الدينية الطائفية والسياسية التي تغطّي مدن سيطرة النظام، واللطميات الحسينية التي تجوب هذه المدن، والتي ارتفع وطيس الاحتجاج عليها فعليًا، وأثارت الكثير من التوجّس في الشارع السوري، بعد نشر مقطع فيديو لأحد أفراد الميليشيات السورية التابعة لإيران يهدّد بحرق دمشق.

أما أكثر الاحتجاجات حدّةً فكانت من نصيب المناهج المدرسية ومغالطاتها وتشوّهاتها، حيث شكّلت صفعة كبيرة لأهالي الطلبة والمهتمين بالوضع التعليمي، بكافة انتماءاتهم وتوجهاتهم، وعلى الرغم من محاولات وزارة التربية تقديم مبرراتها الواهية في حينها، والقيام بتعديلات سياسية تخصّ المناهج لطيّ صفحة الاحتجاج، فإن المناهج وكارثية محتواها التعليمي تركت بصمة كبيرة تُنبئ بأن ما يجري من خراب ودمار لا يقتصر على الحرب وحدها، فتخريب عقول الأجيال يعادل بكارثيته هذه الحرب الشرسة.

كما فتّحت هذه المناهج أعين السوريين على تنظيم “القبيسيات”، باعتباره قوة اقتصادية ودينية متنفّذة في الدولة، تسيطر على النشاط التعليمي في سورية، حيث عملت المؤسِّسة “منيرة القبيسي” وتلميذاتها “مريداتها”، منذ الثمانينيات، على شراء الرخص القديمة للمدارس أو استثمارها، حتى امتلكت جماعة القبيسيات -خلال نحو ثلاثين عامًا- نحو 200 مدرسة خاصة من المدارس الإسلامية للأطفال في سورية، منها 40 مدرسة في دمشق، من أصل 80 مدرسة خاصة، تدور في فلكها أكثر من 75 ألف امرأة ومربية، حسب تقديرات عام 2006.

الاحتجاج والرفض لوجود تنظيم القبيسيات يزداد تصاعدًا، على الرغم من أنهن لسن تنظيمًا جديدًا على الساحة السورية، إذ تم الترخيص الرسمي لهن بالعمل العلني منذ العام 2006، لكن انتقالهن إلى العمل السياسي المُعلن الذي يصبّ في صالح النّظام الداعم لهن، وفي زيادة نفوذهن الذي تجلّى في وصول إحدى المريدات إلى مجلس الشعب، واستلامهن مراكز وزارية كوزارة الشؤون الاجتماعية، واختيار وزير الأوقاف “محمد عبد الستار السيّد” قريبة له من القبيسيات “سلمى عيّاش”، كمشرفة الإدارة النسائية في الأوقاف، ثم ترقيتها عام 2014 إلى رتبة معاون وزير بمرسوم جمهوري، كل هذا لفت الأنظار إليهن وإلى خطورة الآثار المستقبلية الناجمة عن تغلغلهن في المجتمع، بدءًا من استخدام هذا التنظيم النسوي للدين الإسلامي لتحقيق مكاسب اقتصادية، عبر تنمية وتطوير مشاريعه وأعماله النّفعية، انتقالًا إلى استخدام المدارس الدينية في التحكّم بأفكار جيل جديد من الفتيات اللاتي يصبحن مريدات وتابعات، ومن الفتيان الذين تقدّم لهم الجماعة -عن طريق نفوذها وعلاقاتها الواسعة- مساعدات متعدّدة تؤدي إلى خضوع الشّبان لهنّ اقتصاديًا وسلطويًا، وصولًا إلى المساهمة في خلق ولاءات وتجمّعات جديدة، عبر السيطرة على المرأة وتطويعها، وبالتالي التحكّم في الأسرة والمجتمع، وتحويل المجتمع إلى مجتمع متديّن يشوبه الانغلاق الفكري وعدم قبول الآخر.

الغضب الموجّه ضد الحكومة السورية، عبر الاحتجاجات التي ترتفع ضد وزير عدل أو تربية أو أوقاف -على ضعفها ووهنها- تدلّ على عمق الهوّة بين الحاكم والمحكوم التي أسس لها التسلّط وتكريس الاستبداد، والالتفاف على الدستور الذي وضعه النظام نفسه، وصارت حاضرة بكافة أنواع التذمّر والرفض التي تشير نحو ما يتلمّسه السوريون من مخاطر قادمة، إن كان من ناحية عودة القمع وكمّ الأفواه، أو من ناحية الاستمرار في استخدام الدين ضمن شعارات ملتوية، فالإصلاح الديني ليس مسألة إدارية ولا موقفًا عابرًا، والخلاص من الطائفية لا يكون بتشجيع فرق طائفية ودعمها، إنما بالتوجّه نحو عقد اجتماعي يحدّد دور الدين في الحياة ويحرره من السلطة السياسية، ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطنين، ويعتمد مبدأ المواطنة الكاملة، لاستعادة التوازن داخل وطن تحوّل إلى مرجل يغلي بكافة أنواع الاختلالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وينذر بسيل من الكوارث القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق