مقالات الرأي

الملف السوري والانتخابات التركية المبكرة

تتجه تركيا نحو إجراء انتخاباتها الرئاسية والبرلمانية المُبكرة، في 24 حزيران/ يونيو القادم، وسط ترقب سوري شعبي وسياسي واضح لنتيجة هذه الانتخابات التي تؤثر، بشكل مباشر، في مسار الملف السوري، انطلاقًا من كون تركيا إحدى الدول الضامنة لاتفاق أستانا الذي بات يشمل، بمخرجاته، العدد الأكبر من الأطياف السياسية والفصائل العسكرية المعارضة، وكونها دولة تحتضن ما يقارب 3.5 مليون مواطن سوري.

دفع قرار إجراء الانتخابات المُبكرة المفاجئ الكثيرَ من المتابعين أو المهتمين للشأن التركي، نحو التساؤل حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ذلك القرار. وفيما يُذهب إلى أن التدهور الاقتصادي، ومحاولة “تحالف الشعب أو الجمهور” (الذي يضم حزبي العدالة والتنمية، والحركة القومية) الحيلولة دون تمكن الحزب الجديد الوليد الذي أسسته المنشقة عن الحركة القومية ميرال أكشينار وثلة من رواد الحزب، هما العاملان الرئيسان وراء اتخاذ القرار. ويبدو أن التطورات الساخنة في سورية والعراق، وما تحتاج إليه من سرعة وفاعلية في عملية اتخاذ القرار السياسي في تركيا، إضافة إلى أجواء “انتصار عفرين”، الذي حققه “القائد العام” الرئيس رجب طيب أردوغان، التي وفرت قيمًا سياسيةً ونفسيةً مثالية جياشة في نفوس عدد واسع من المواطنين الأتراك تجاه أردوغان، يلعبان أيضًا دورًا في دفع الحكومة التركية نحو إجراء انتخابات مبكرة.

إن التأثير الأبرز المُحتمل للانتخابات التركية المُبكرة، في حال فوز الرئيس أردوغان، يكمن في تحوّل تركيا إلى النظام الرئاسي الذي يمتاز بسرعة عملية اتخاذ القرار وفاعلية تنفيذه، نتيجةً للارتباط العضوي لمؤسسات اتخاذ القرار في بنية النظام الرئاسي، على العكس من النظام البرلماني الذي تبدو مؤسسات صنع واتخاذ القرار في بنيته منفصلة؛ الأمر الذي يعوق عملية صنع القرارات المتناسقة، وتنفيذ القرارات المُتخذة. وتقاسي تركيا في الوقت الحالي من حكم الرأسين: “الرئاسي والبرلماني”، وهذا ما يزيد من العوائق التي تقف أمام عملية اتخاذ القرار الفاعل. وقد لوحظ، بعد ربط جهاز الاستخبارات مباشرةً بالمؤسسة الرئاسية، كيف نجحت تركيا في تنفيذ عملية “غصن الزيتون”، حسب ما أشارت إليه صحيفة (ستار) المقربة من الحكومة، في تقريرها: “عمل مشترك بين الاستخبارات ورئاسة الأركان في عملية غصن الزيتون”، حيث شددت على أن سرعة التنسيق وفاعلية التخطيط، بين الاستخبارات وأجهزة الدولة الأخرى، ساهمتا في إكساب العملية نجاحًا عاليًا. ويأتي هذا التعاون والتنسيق بعد سنوات من العمل المنفصل بين المؤسستين.

في إطار هذا الطرح -إن طُبّق كما هو مرسوم نظريًا- يبدو أن تركيا ستتجه نحو طرح ملف سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) على منبج بدعمٍ دولي، كملف عاجل لا بد من التوصل إلى تسوية له، لا سيما في ظل تخوفها من رسم الولايات المتحدة لسيناريو دولي يأتي بقوات دولية أو عربية إلى مناطق سيطرة وحدات الحماية الكردية، بغية مواجهة التمدد الإيراني، بحسب ما أوضحت الإدارة الأميركية. إذ قد يرسخ هذا السيناريو فكرة إقامة كيان كردي مستقل في الشمال الشرقي السوري، وقد يؤدي إلى سيناريوهات تمدّ من عمر الصراع في سورية، على نحوٍ لا يكفل لتركيا مصالحها القومية، لا سيّما في ما يتعلق بأمنها القومي، والأخطار الجيوسياسية المُحيطة بها، والتي قد تزيد بما يسبب المزيد من التدهور لاقتصادها. إلا أن الإرادة السياسية القوية وغير الواقعة تحت بيروقراطية مؤسسات اتخاذ القرارات المتباعدة، والتي يستمدها الرئيس من الدستور، قد تفي لتركيا غرضها في تحقيق ما ترنو إليه، عبر اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.

في ضوء ذلك، قد يتمكن النظام الرئاسي التركي -في حال فوز أردوغان- من تسريع تأسيس “المنطقة الآمنة” التي يصبو إليها في المناطق السورية الحدودية المحاذية لحدوده؛ ما يكفل لتركيا إعادة عدد واسع من اللاجئين، وتأسيس معادلة سياسية وأمنية، عبر مجالس محلية وجيش “مُوالٍ”، تضمن لها وقاية حدودها مع سورية، وبالتالي أمنها القومي على صعيد استراتيجي.

وقد تأتي خطوة إعادة عدد من اللاجئين السوريين إلى “المنطقة الآمنة”، بفعل هيمنة منظور “الآخرية”، نسبيًا، على قرارات حزب العدالة والتنمية، في حال فوزه، نتيجة تحالفه مع حزب الحركة القومية الذي يتسم بنظرة سيكولوجية اجتماعية “آخرية”، مردها إلى نفسية فرده بتمييز ذاته من الآخرين بصفات متأصلة عضوية كالعرق أو الهوية، بما يجمعه مع ذوي هويته وعرقه في مجموعة بهوية مشتركة ضد الآخر الذي هو خارج المجموعة. والآخر هنا بالنسبة إلى القوميين الذين يرون لأنفسهم الأحقية المطلقة في البلاد وكل ما تقدمه من خدمات ومصروفات، هو اللاجئ بشكلٍ عام، واللاجئ السوري بشكلٍ خاص.

لا أشير هنا إلى أن السلطات التركية ستتجه، بعد الانتخابات، نحو جمع اللاجئين السوريين من بيوتهم وأماكن عملهم، وإرسالهم إلى سورية، بل ما أود الإشارة إليه أن الهوية القومية “الآخرية” ترغب في أن يحتل منظور الاتجاه القومي مساحة كافية، في رسم تحركات الدولة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وفي ضوء ذلك، قد تتجه السياسات التركية، نسبيًا، صوب نسج سياسات أكثر قومية تجاه الملف السوري، وأكثر تنافسية تجاه القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف. فالفكر القومي يتحرك بعواطف تدغدغها الخطابات المتحدية للقوميات الأخرى. لذا قد نشهد خطابات وروح تركية أكثر تنافسية في سورية. كما قد نشهد تحركًا أكثر براغماتية، على حساب المبادئ التي أعلنتها تركيا حيال الثورة السورية في سنواتها الأولى. وقد ترتفع نسبة تطبيق سياسة “أهلانية”، تقوم على رعاية مصالح المواطنين أكثر من المهاجرين أو اللاجئين، وقد يُترجم ذلك من خلال تخفيف حجم الخدمات أو الامتيازات المُقدمة للاجئين أو التركيز على استقبال اللاجئين من ذوي العرق التركي كالإيغور والأهيسكا.

أما السيناريو الآخر القائم على احتمال فوز مرشحين آخرين غير أردوغان، فلا داعي للإطالة في الحديث عنه، فقد عبروا بوضوح عن هدفهم في إعادة اللاجئين بلا استثناء، وسحب القوات التركية من سورية.

في المحصلة؛ زادت التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي واجهها الحزب الحاكم في تركيا مؤخرًا؛ الأمر الذي دفعه إلى التحالف مع حزب الحركة القومية، لضمان النجاح في الانتخابات الرئاسية على الأقل، ولا ريب في أن لهذا التحالف ثمنًا، يصبّ في صالح الفكر القومي على حساب الملفات الإقليمية الفاعلة، وعلى رأسها الملف السوري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق