أدب وفنون

آلان باديو: كان معنا كل الحق في أن نثور.

لشهر أيار/ مايو، نكهة خاصة في المشهد الثقافي الفرنسي؛ ففي كل سنة، تنظم المسارح، ودور النشر، والمراكز الثقافية، العديد من الأنشطة والفعاليات، احتفاء بذكرى ثورة أيار 68، لكن لهذه السنة ميزتها أيضًا، فهي ذكرى اليوبيل الذهبي لهذه المناسبة العزيزة على قلوب الفرنسيين، ولهذا ظهرت العديد من الكتب والمقالات التي تسترجع تفاصيل وذكريات هذه الحادثة التاريخية، خاصة ممن شارك فيها، وما يزال يؤمن بضرورة استمرارها، ككاتبنا آلان باديو، الفيلسوف والروائي الفرنسي، المؤمن بالفكر الشيوعي، بنسخته الماوية، والذي ساهم على نحو فعال في أحداث تلك الفترة، حينما كان مدرسًا جامعيًا بعمر 31 سنة، يعمل في جامعة رانس، وناشطًا سياسيًا في المجموعات الشيوعية الراديكالية.

يرى آلان باديو، في كتابه الصادر في أيار 2018 عن دار فيار بعنوان (معنا حق في أن نثور)، أن المبالغة في النوستالوجيا والاستذكار لهذه المناسبة “يدل على أننا واثقون أن أيام أيار 68 قد ماتت”، فكل الأشياء عادت إلى أماكنها، “حتى كوهن بندت، أحد أبطال تلك المرحلة، أصبح مجرد سياسي عادي”؛ فالمؤسسات الرأسمالية استطاعت امتصاص ثورة 68، وإخضاع الفكر الثوري للحياة الديمقراطية الليبرالية، لدرجة جعلت الفيلسوف جون كلود ميشيا يصرخ: “إنه من الأسهل هذه الأيام، تخيل نهاية للعالم، على أن نتخيل نهاية للرأسمالية”.

لكن ما الذي حدث في أيار 68، بالضبط، حسب ذكريات آلان باديو؟

يرى باديو أن ثورة 68 كانت جوقة متعددة الأصوات (choeur polyphonique) تتألف بشكل أساسي من:

1 –  أيار 68 الطلابية: وهي ليست حالة فرنسية خالصة، بل أشبه ما تكون بالنسخة الفرنسية لحالة عالمية عامة، تمثلت في التظاهرات الحاشدة الرافضة لحرب فيتنام في الولايات المتحدة الأميركية، إلى تظاهرات المكسيك ومجازر الساحات التي أعقبتها، إلى الانتفاضات الإصلاحية في تشيكوسلوفاكيا، والجيش الأحمر في اليابان، وانتفاضات الشباب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني، هذه الأجواء الثورية العالمية جعلت أبناء البرجوازية الفرنسية ينتفضون، وخلقت لديهم حالة رفض للقيم (الاجتماعية خاصة) التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، ونقول أبناء البرجوازيين، لأن نسبة الحاصلين على البكالوريا، في تلك المرحلة، كانت لا تتعدى 15 بالمئة من مجموع الفئة العمرية المعنية، (في 2012 كانت 79 بالمئة، وفي 1990 كانت 33 بالمئة، أي أن الطلاب المشاركين في الثورة هم الأبناء المحظوظون)، هذه الفئة التي أصبحت تحمل الأفكار الماركسية، وتستعمل مفرداتها، من طبقة عاملة، وصراع الطبقات، وتتخذ العلمَ الأحمر شعارًا لها، الذي أصبح يغطي المباني الراقية في السان ميشيل، بل أصبحت هناك درجة من القبول للعنف الثوري، وتطورت لديهم معرفة في صنع قنابل المولوتوف لمواجهة الدولة، واحتلال مباني المدارس والجامعات.

2 – أيار 68 العمالية: في هذه المرحلة، شهدت فرنسا أكبر إضراب عمالي عرفه التاريخ الفرنسي، وهو إضراب خارج عن سيطرة وقيادة المنظمات الثورية التقليدية، فيما عرف بإضراب الفئات البسيطة (greves sauvages)، وكان ذا طابع راديكالي، تمثل في احتلال العمال للمصانع في المدن الكبرى، دون وجود رؤية محددة لما يجب فعله، حتى دون وجود هدف لهذا الإضراب “كان لدينا رؤية مشوشة، كنا نسير في تظاهرات طويلة إلى تلك المراكز العمالية، دون معرفة ما الذي علينا فعله هناك؟”، لم يكن لدى العمال أي فكرة سوى البقاء متوحدين مع الحركة الطلابية، وربما هذه أحد نقاط الضعف في الثورة، وبداية الافتراق التي أحدثتها الدولة فيما بعد، خاصة بين الحزب الشيوعي الفرنسي PCF، والاتحاد الكونفدرالي للعمل CGT، فقد ظهرت للعمال لاحقًا مطالبهم، من زيادة فترات العطل، وتقليص ساعات العمل، وزيادة الأجور، وهي مطالب لا تعني شيئًا لفئة الطلاب، ثم الخلاف أيضًا حول قبول فكرة التفاوض مع الدولة، أو الرفض النهائي لأي حوار معهم.

3 – أيار 68 التحرريين: وهي أيار المجموعات المثقفة، الأقرب إلى الطلاب من العمال، التي نادت بالتغيير، ورفض كل شيء، وعملت على إحداث تمقلابات سياسية، واجتماعية، وثقافية (من مجموعات حقوق المرأة، والمثليين، من سينما جديدة جعلت غودار يصنع سينماه في الشارع، من فكر جديد، وشيوعية جديدة).

هذه المجموعات الثلاث خلقت حالة عامة رابعة موازية لها، هي الحراك السياسي، خاصة لدى اليسار، وانشقاق مجموعات كبيرة عن الشيوعية التقليدية، من كومونة شنغهاي، إلى مجموعة الماويين (التي كان المؤلف أحد قياداتها)، إلى الستالينية اللينينية، كل هذا جعل الأحمر يغطي فرنسا، ويرفرف فوق كل المباني، والجامعات، والمصانع.

ثم ماذا؟

لا شيء، حسب الكاتب، بل التخلي التام عن كل الأفكار، بل التدهور الكبير لكل أفكار اليسار “التي جعلته جثة هامدة عفنة، تسير عكس التيار، حسب تعبير سارتر”، بل إن الظروف عادت بفرنسا إلى ما قبل 1840، أي أن كل متطلبات الثورة أصبحت متواجدة في المشهد السياسي الفرنسي، لذلك على اليسار، حسب باديو، أن يتمسك بفضيلة أساسية، فضيلة واحدة، هي الشجاعة، الشجاعة في الحفاظ على الألفاظ الماركسية نفسها، الحفاظ على الأفكار نفسها، كي لا تهزمها الرأسمالية، بل إن الموضوع يتطلب إرهابًا لغويًا (terrorisme langagier)، إرهابًا يُبقي على الصراخ في وجه الفئات البرجوازية، ويجعلها في حالة خوف دائم من هذا التيار الراديكالي.

آلان باديو، من القلة القليلة التي ما زالت محافظة على الأفكار، والكلمات والمصطلحات نفسها، منذ أيام الحرب الباردة، ولا يتردد أبدًا في تكرارها، في كل مقالاته وكتاباته، ما زال يعيش حلم ثورة أخرى شبيهة بأيار 68، فهل المشهد السياسي الفرنسي قابل فعلًا لثورة كهذه؟

مقالات ذات صلة

إغلاق