مقالات الرأي

العثُّ يلتهم السجاد العجمي

لطالما تشابهت حياكة السياسة الإيرانية مع نسج السجاد العجمي، من حيث حاجة نسج السجاد إلى الإتقان والصبر وتشكيل اللوحة قطبة قطبة. فخلال عقود أربعة، وخاصة في العقدين الأخيرين، نما المشروع الإمبراطوري النووي الإيراني، لدرجة كبيرة. حيث بات العالم يقف اليوم أمام النتائج الواقعية التي حققتها السياسة الإيرانية، في المنطقة العربية، لخدمة مشروعها الإمبراطوري والنووي. ومن هذه النتائج تطوير السلاح النووي والصواريخ الباليستية التي يمكن أن تحمله، وبسط نفوذها العسكري والسياسي على أربع عواصم عربية هي بيروت وبغداد وصنعاء ودمشق، من خلال تواجدها المباشر من جهة، ومن خلال دعم النظام السوري وميليشيات كثيرة كـ “حزب الله”، و”الحوثيين”، و”حماس”، و”الجهاد الإسلامي”، و”حركة طالبان”، و”الحشد الشعبي الشيعي”.

وتسعى الإدارة الأميركية الآن لتقويض هذه النتائج النامية في المشروع الإمبراطوري النووي. وهذا معناه عودة إيران إلى حدودها الوطنية، دون أن تكون دولة نووية لها تموضع عسكري وسياسي خارج حدودها، ودون بسط النفوذ والتدخل في دول الجوار، وتقليم المخالب التي تدعمها إيران. وبهذا السياق نجد أن دعم الميليشيات بدأ يتجاوز الحدود؛ فلأول مرة تقوم دولة هي إيران بتقديم الصواريخ الباليستية إلى مجموعة مقاتلة كمجموعة الحوثيين في اليمن، تطال الرياض عاصمة السعودية.

فهل تنجح الإدارة الأميركية في تقويض المشروع الإمبراطوري النووي الإيراني؟ هل يتم التقويض بالضربة القاضية أم بالنقاط والتدريج؟ يبدو أن التقويض سيتم من خلال التدرج وكسب النقاط لا بالضربة القاضية، وذلك لأن المعلن عنه في استراتيجية الإدارة الأميركية هو الاعتماد على الآخرين لا الاعتماد على القوة العسكرية الأميركية. وبكلام مجازيّ: إن العثّ هو من سيلتهم الإنجازات الإيرانية لا النيران. فالكثير من إنجازات إيران تمّت بتواطؤ وغض نظر من الإدارات الأميركية والحكومات الأوربية. فالعالم يقف اليوم على نتائج السياسة الإيرانية لا على بداياتها.

تُظهر الشروط الأميركية الجديدة على إيران، أن المنطقة تقع بين حدين ذهابًا وإيابًا، فإما صفقة القرن وإما حرب القرن. فإما تحتفل إيران، بعد قرابة تسعة أشهر، بالذكرى الأربعين للثورة الإيرانية، كدولة غير نووية، وتلتزم حدودها الوطنية، وتستغني عن مشروعها الإمبراطوري في مد نفوذها على المنطقة، والتخلي عن تدخلاتها في المنطقة، وعن دعمها لـ “حزب الله” و”طالبان” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وتكفّ عن مخاطبة العالم بلغة الأحلاف والأقطاب والمحاور… وإما فالعقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية الإسرائيلية لها في سورية وملاحقة عناصرها وشركاتها وعناصر “حزب الله” ومحاسبتها على دعم الإرهاب والتدخل في المنطقة قانونيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا… وهذا كله من دون الهجوم العسكري المباشر على إيران أو على مصالحها في المنطقة. فهل يمكن لإيران الاحتفال بالذكرى الأربعين لقيام “الجمهورية الإسلامية”؟ مع العلم أن 11 شباط/ فبراير 1979 هو تاريخ سقوط الشاه وولادة “الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

مع القرار النهائي للإدارة الأميركية بعدم العودة إلى الاتفاق النووي، ومع طرح استراتيجية بديلة تهدف إلى اتفاق جديد بشروط جديدة، تطال إنتاج النووي والصواريخ بعيدة المدى والتدخل الإيراني في دول المنطقة، ومع استهداف “إسرائيل” لمواقع إيرانية في سورية؛ يعيش المشروع الإيراني في المنطقة حالة هزيمة بالقوة قد تتحول إلى هزيمة بالفعل تدريجيًا لا بالضربة القاضية. فلا تعتمد الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران على القوة العسكرية المباشرة لإسقاط النظام الإيراني، بل تعتمد على:

  • العقوبات الاقتصادية والتي وصفتها بأنها “الأقسى في التاريخ”، وهذا يحتاج إلى وقت طويل ليعطي أُكله.
  • ثورة الشعب الإيراني على حكومته، وقد حاولت الإدارة الأميركية دعم مثل هذه الثورة مؤخرًا ولكنها جوبهت من الأوروبيين أساسًا.
  • على حلفاء أميركا؛ فالأوروبيون منهم يعاندون هذه الاستراتيجية، والإسرائيليون مختصون بتحجيم الوجود الإيراني في سورية، والأتراك لا يحبذون مع الروس تحجيم إيران، بينما السعودية والإمارات ستدفع تكاليف مالية وهما متحمستان لذلك، مما يبعد الخطر عنهما وعن اليمن، ويساعد في تحجيم المد الإيراني في سورية ولبنان والعراق.
  • على أن ترضخ إيران للضغوط، وهذا مستبعد، وتوافق على الشروط الأميركية التي تفتح صفحة جديدة مع أميركا والعالم.
  • على بوتين والأسد في إخراج إيران من سورية، وهذا غير متاح فلا بوتين بوارد فك تحالفه مع إيران ولا الأسد مالك لأمره.

إذن، تعتمد الاستراتيجية الأميركية على الآخرين، وتريد منهم الانتظام في استراتيجيتها فهل هذا استراتيجية عملية تصل إلى نتائجها بأقصر الطرق وبأقل التكاليف؟ هل يتعاون الأسد معه؟ هل يتعاون بوتين؟ هل يتعاون الأوروبيون؟ هل تدفع السعودية والإمارات التكاليف؟ هل تستمر “إسرائيل” في تحجيم النفوذ الإيراني في سورية؟ ربما الإجابات تكون نعم أو لا، أو تكون نعم ولا في الوقت نفسه، وبالتالي هذا يستلزم الوقت الطويل لتحقيق هذه الاستراتيجية، ويعطي فرصة لإيران في أن تلتف عليها في أكثر من ثغرة.

يحاول ترامب التشبه بجورج بوش الابن، ولكنه لا يشن الحروب بنفسه، كما فعل جورج بوش، بل يعتمد على عقوبات اقتصادية وتحالفات مضطربة. ولنلاحظ أيضًا أن إيران بسطت نفوذها في العراق على الرغم من أنف احتلال الأميركيين للعراق. وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على انعدام القطبية الدولية، وعلى وهم ترامب أنه القطب الأوحد في العالم وعلى الجميع إطاعته طاعة عمياء.

ستنوس السياسة الدولية بين قطبي المعاندة والمساندة والتداخل بينهما، فلا شيء صافيًا نقيًا، وثمة تداخل واختلاط. لا يستطيع الأوروبيون المعاندة فحسب ولا المساندة فحسب، فنرى مساندة ومعاندة في آن. فالمسألة لا كما يتوهمها العرب والسوريون بأنها ضربة قاضية لإيران ستعيد لهم أمجادهم. فسورية ذهبت إلى غير رجعة والكلام يدور عن تحجيم دور إيران المزعج لـ “إسرائيل” لا عن تحرير سورية من المحتل الإيراني كما يرى البعض. والعرب في طريقهم إلى الدول الفاشلة. وأغلب الظن ستطلق أميركا يد “إسرائيل” في سورية في ظل غيابها وانسحابها وعدم قدرتها أو عجزها عن التواجد العسكري المباشر وتوجيه الضربات العسكرية القاسية التي تفرض على الدول الانصياع.

ألم ترتكب إيران جرائم حرب في سورية؟ بلى، ولكن تجري محاسبة إيران على الاقتراب من حدود “إسرائيل” الآمنة أساسًا، ومحاولة نقل الحرب إليها، لا على جرائم الحرب التي ارتكبتها في سورية ولصالح “إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

إغلاق