الدستور وحكاية “اللجنة الدستورية”

حكاية طويلة “قصة” الدستور وموقعه من الحل السياسي، ومفاوضات جنيف، وما حدث من دحرجة و”شقلبة” في ما يسمى بـ “السلال الأربع”، واختفاء المهم منها، وصولًا إلى “اللجنة الدستورية” والأسماء المطروحة، والجهات المكلفة بالترشيح والإقرار.

بيان جنيف 1 الذي اعتبرته المعارضة أساس الحل السياسي، والذي وافقت عليه بعد رفض وتمنّع، ثم أصبح الاستناد والقاعدة والمنطلق لمفاوضات جنيف، كان يتمحور حول عملية الانتقال السياسي ضمن آجال وترتيبات محددة، وكان تشكيل “هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة”، و”برضا الطرفين”: المعارضة والنظام، هو الإطار الشامل الذي ستنبثق عنه مجموعة الهيئات والمهام، ومنها صياغة دستور جديد للبلاد، يستجيب لعلمية الانتقال من نظام استبدادي إلى نظام تعددي، ديمقراطي، أي أن صياغة دستور وإقراره تأتي في مرحلة لاحقة بعد إنجاز عدد من المهام الضرورية الخاصة بالأجهزة الأمنية، والجيش، وإجراءات الثقة متعددة المجالات، فتشكيل هيئة دستورية تتولى صياغة الدستور وعرضه إما على المؤتمر الوطني العام، أو على الاستفتاء الشعبي.

غير أن التطورات المتواصلة باتجاه الدحرجة، وقوة التأثير الروسي، وغياب الدور الدولي المحسوب على أنه صديق الشعب السوري، وعلى رأسه دور الولايات المتحدة الأميركية، أحدث زعزعة في جوهر بيان جنيف 1، فخرج الوسيط الدولي دي ميستورا بفكرة، أو مشروع ما يعرف بـ “ورش العمل الأربعة”، التي تبلورت في ما يعرف بـ “السلال الأربع” التي كان ترتيبها كالتالي: تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، الدستور، الانتخابات، ومجموعة من القضايا التي يجب إنجازها فيما يعرف بإجراءات بناء الثقة، التي نصّ عليها القرار الأممي 2254 في فقراته 11 و12 و13 و14 الخاصة بالجوانب الإنسانية والإغاثية والمعتقلين، ووقف إطلاق النار لمدة محددة، والتي نجح وفد المعارضة، آنذاك، بوضعها خارج ملف التفاوض.

تمسّكت المعارضة، في جميع جولات المفاوضات الفارغة، بالبدء بالعملية الانتقالية أساسًا، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي منطلقًا، بينما كان النظام يرفض مطلقًا، بدعمٍ روسي، هذا الترتيب ويطرح “محاربة الإرهاب” بدءًا، وقبل الحديث في أي بند آخر من بنود بيان جنيف 1، وبما دفع إلى إدراج هذا الأمر إلى المهام السابقة لتصبح السلال أربعة.

مرة أخرى، حدثت دحرجة أكبر في مضامين بيان جنيف 1، عبر لقائي فيينا 1 و2، والقرار 2254، وقد تناولت بشكل ملتبس، ثم بوضوح، العملية الانتقالية برمتها، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وسط تغوّل روسيا في الملف الروسي وكأنها الطرف الوحيد، والأقوى، والمفوّض فيه، وتراجع الدور الأميركي والأوروبي والتركي، والعربي أيضًا، فاختصرت السلال الأربع إلى اثنتين: الدستور والانتخابات، بدعوى أن محاربة الإرهاب على وشك الانتهاء، وكانت الضحية الأكبر العملية الانتقالية وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، التي راح الحديث عنها، أو عن بعض مهامها، يتناثر عبر مشاريع وتصريحات متباينة، أو من خلال عملية التفافية، كما يطرح دي ميستورا، فيما يعرف بـ “البيئة الآمنة”، وإجراءات حسن الثقة التي تتناول إنجاز عدد من الأمور التي نصّت عليها بنود جنيف 1، كإعادة النظر، أو بناء الأجهزة الأمنية، والجيش (حيث تتفاوت المواقف فيها)، ووقف إطلاق النار، والجوانب الإنسانية والإغاثية، والمعتقلين والمفقودين.

روسيا، على امتداد مسار مبادراتها، كانت تصرّ على البدء بالعملية الدستورية، فالانتخابات وحذف كل ما يتعلق بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وهكذا طرحت في لقاءات أستانا الأولى مشروع دستور معدّ من قبلها، وحين رفُض من وفد الفصائل العسكرية سحبته إلى حين، وصولًا إلى مؤتمر سوتشي ونتائجه.

أما الأمم المتحدة، في لقاءات مباشرة مع الهيئة العليا للمفاوضات، ثم مع هيئة المفاوضات السورية، فأبدت معارضتها الشديدة لمؤتمر سوتشي ومراميه، وفنّدت سلبياته بما كان يفيد بعد المشاركة فيه، ثم بدّلت موقفها بالحضور الذي ارتبط بتفاهمات مع الروس حول دورها في تشكيل اللجنة الدستورية، ومرجعيتها في سوتشي، وموقع جنيف كمسار رئيس.

المعارضة الممثلة بالائتلاف، وهيئة المفاوضات السورية، رفضت حضور مؤتمر سوتشي، بينما ذهب وفد محسوب على المعارضة بنيّة الحضور، ولم يشارك لأسباب تتعلق بالشعارات وبعض القضايا الأخرى المرتبطة بترتيبات المؤتمر واللوغو والأعلام وغير ذلك؛ ما وضع تركيا، وهي الطرف الثالث الضامن، في موقع حرج، خاصة أن قصة اللجنة الدستورية هي أهم مخرجات ذلك اللقاء، وقد جرى الاتفاق، الأولي، على ترشيح 168 اسمًا تتوزع مثالثة بين أطراف سوتشي بالتساوي، ثم اختصاره إلى 150 اسمًا، تختار الأطراف الثلاث “الحصة” المعطاة لها بواقع خمسين اسمًا لكل منها، على أن تعطى الأمم المتحدة صلاحية الاختيار من بين هؤلاء، بحيث يكون العدد 45 تقريبًا يتوزع بين النظام والمعارضة، وحصة “للحياديين” الذين تختارهم الأمم المتحدة ووسيطها دي ميستورا.

حصل إرباك كبير في ترجمة تلك المخرجات، وفي تشكيل اللجنة الدستورية، وكان ذلك واضحًا في لقاءات دي ميستورا مع وفود الهيئة السورية للمفاوضات، وتحديد الجهات التي ترشح، وطبيعة الأسماء، والعدد النهائي للجنة الدستورية، ودور هيئات المعارضة في ذلك، وعلاقة تركيا بالأمر، وتاريخ البدء بتشكيل هذه اللجنة، ودورها، وصلاحياتها، ومرجعيتها، وعلاقتها بمسار الحل السياسي، وهل هي مستقلة مثلًا عن المفاوضات، أم جزء منها؟ وهل ستكون مهمتها صياغة دستور جديد لا علاقة له بدستور النظام، أم ستبدأ بمراجعة أو دراسة دستور النظام، كما يلح على ذلك النظام، ويحاول تثبيته؟ وإشكالات متعددة كانت السبب في التأخير، وصولًا إلى لقاء أستانا الأخير الذي تمّ التوافق فيه على الدفع بتشكيل اللجنة الدستورية، وإنجاز الترشيحات.

الأتراك مربكون بدورهم لجهة الترشيحات التي يجب أن تقدّم كحصّة، والسبب يعود إلى تلك المقاطعة التي حصلت من قبل الائتلاف وهيئة المفاوضات السورية، وإلى ذهاب عدد كبير إلى سوتشي بنية الحضور، والذين على علاقة بوفد أستانا، ومستوى التنسيق مع هيئة المفاوضات السورية ودورها في إعداد الأسماء، وكذلك دور الائتلاف كطرف رئيس معني.

تقول المعلومات إن ترشيحات إيران الخمسين هي جميعها محسوبة على النظام، وأن روسيا ستقوم بترشيح 25 اسمًا تابعين للنظام، و25 ممن لهم علاقة بما يعرف بالمنصات التي لا تشارك في هيئة المفاوضات السورية، وهي أربع: حزب الغد (الجربا) – قمح (هيثم مناع) – رندة قسيس – قدري جميل، وأن دي ميستورا سيقوم باختيار عشرة من مرشحي إيران وخمسة من مرشحي روسيا المحسوبين على النظام، وعشرة من القائمة التركية، وخمسة من القائمة الروسية المحسوبين على تلك المنصات، ويبقى “الحياديون” الذين يصرّ دي ميستورا على إشراكهم.

الائتلاف وهيئة المفاوضات السورية على تواصل مع الحكومة التركية للتفاهم على القائمة التي ستقدّم باسم تركيا، انطلاقًا من أهمية التوافق، وتقديم الأسماء باسم هيئة المفاوضات السورية كجهة سورية مسؤولة.

لكن إشكالات أخرى كبيرة مطروحة تتعلق بمحتوى هذه اللجنة، ومرجعيتها، ودورها، ومهامها، وعلاقتها بمسار المفاوضات، وهل ستعمل كجهة مستقلة أم تابعة لوفود التفاوض، وهل تملك صلاحية إعداد دستور لطرحه على مؤتمر وطني عام، أو على استفتاء شعبي، أم سيقتصر دورها على الجانب التقني؟

تلك مسائل خلافية بحاجة إلى مزيد من التفاهمات عليها مع الأمم المتحدة.