كلمة جيرون

ذكِّر إن نفعت الذكرى

تلامس حدودَ الملهاة أيّ محاولة لتذكير السوريين بأسباب ثورتهم؛ إذ من المفترض أن يعرف كل سوري حر تمامًا لماذا قامت الثورة، ولماذا ضحى السوريون بكل هذه التضحيات، نوعًا وكمًّا. لكن وسط حالة من التيه والتشاؤم، ذكِّر إن نفعَت الذكرى.

لم يكن هدف الثورة يومًا أن تسود المعارضة السورية، وتكونَ بديلًا من نظام لا يستقيم، فشهاب الدين أسوأ من أخيه، بل كان هدفها أن يسود القانون والحق والمواطنة والعدالة والحكم الرشيد. كما لم يكن هدفها إزاحةَ رأس النظام وحده، وإزالته من الواجهة فقط، بل إزاحة نظام شمولي أمني قمعي طائفي فاسد مُستبد. كما لم يكن هدفها إنهاء “الاستفتاء” و”إلى الأبد” فقط، بل ضمان انتخابات حرّة نزيهة شفافة مُراقبة، يُشارك فيها الجميع، وتُقدَّم فيها برامج انتخابية حقيقية، وتُمنَح فيها الفرصة متساوية للجميع.

لم يكن هدف الثورة يومًا تغيير سلوك وسطوة وجبروت وتجبّر الأجهزة الأمنية المنفلتة من عقالها فقط، بل كان همّها تفكيك هذه الأجهزة نهائيًا، ودمجها بالجيش لتحمي الوطن لا لتقتل الشعب، وإنهاء وجودها الذي أغرق سورية في ظلام مرعب وجعلها سجنًا كبيرًا وموحشًا.

لم يكن هدف الثورة تعديل الدستور أو تجميله، بل تغييره جذريًا، واستبداله بدستور حضاري، وتغيير القوانين الاستثنائية وغير الاستثنائية التي عطّلته -على رداءته- وأفرغته من مضمونه، ومنع طغمة حاكمة أن تعمل فوقه، وإصلاح القضاء جذريًا، بعد أن صار بؤرة للفساد والظلم وحجب الحقوق.

كما لم يكن هم الثورة السورية أن يتوقف الفساد فحسب، بل محاسبة ومحاكمة كل من سرق الثروات والمؤسسات والمصانع، ونهَب المال العام، وعقَدَ الصفقات غير النظيفة، واستولى على أراضي الدولة، وباع الجولان وغيرها، ودمّر قطاعات التعليم والصحة والثقافة والإعلام، وأفقر السوريين، وسرق ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

كذلك، لم يكن هدفها إنهاء حكم طائفي تمييزي فئوي فقط، بل غايتها ضرب كل طائفي بيدٍ من حديد، وإعادة التأكيد على أن سورية للجميع، تُشبه الجميع، ولا تمييز بين سوري وآخر، بسبب الدين أو المذهب أو المنطقة أو القومية أو العرق أو اللهجة.

انتفض السوريون ضد نظام كامل متكامل، وقدّموا تضحيات جسيمة، من أجل الخلاص من هذا النظام كلّه، لأنهم يُدركون أكثر من غيرهم أن بقاء جزء من هذا النظام يعني استمرار الكارثة، ولهذا، على كل من يحاول تقزيم مطالب الثورة الأساسية، أن يُدرك أن مقولة “قطعة خبز أفضل من لا شيء” لم تعد تصلح، بعد مليون من الضحايا، وبعد دمار بلد كامل.

يجب أن يبقى مطلب تغيير النظام جذريًا، برأسه وأطرافه وأجهزته الأمنية، هو الأساس والبوصلة، فلا هو يَصلح ولا هو يُصلح، وتغييره جذريًا مدخل لازم وحتمي لوقف المأساة السورية… وذكِّر إن نفعت الذكرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق