مقالات الرأي

السوري الطائفي والآخر في النسق السلطوي

في العام الدراسي 1977-1978، كان عليّ الذهاب إلى المدرسة الثانوية الوحيدة في قرية صبورة، وهي إحدى القرى العلوية الواقعة في الشمال الشرقي من السلمية التي تتوسط مكانيًا مجموعة من القرى (السنية، الإسماعلية والعلوية) المحيطة بها، التي لم يكن فيها ثانويات في تلك المرحلة، وللتنويه كان عدد المعتقلين السياسيين المعارضين للنظام فيها، في الثمانينيات والتسعينيات، أضعاف عدد شباب القرى المحيطة بها.

في صباح أحد الأيام الدراسية، وكالمعتاد، بعد ترديد شعار “أمة عربية واحدة”، ودخول الطلبة إلى الغرف التعليمية، دخل الموجه التربوي إلى صفي طالبًا مني التوجه إلى مكتبه التربوي، وكان سؤاله الأول من أي حارة أنت؟ ثم كرر السؤال بصيغة أوضح، أنت من الحارة الشرقية أم الغربية؟ فكان جوابي: لستُ من الغربية ولا من الشرقية؟ أنا في الوسط ما بين الحارتين، وقد كانت إجابتي صادقة مكانيًا. هز رأسه منزعجًا قائلًا: يبدو أنك لم تفهم سؤالي. اذهب إلى صفك؟ أمّا الهدف الحقيقي من وراء سؤاله فهو التعرف إلى انتمائي الطائفي، فمن يقيم في الحارة الشرقية يعني أنه من الطائفة العلوية، ومن يقيم في الغربية يعني أنه من الطائفة الإسماعيلية أو السنية، وفي الثالث الثانوي، أي بعد عامين عاد هذا الموجه ذاته، وطلبني إلى غرفة التوجيه ذاتها، وقد اختلفت الأسئلة؟ إذ كان محققًا أمنيًا أكثر منه موجهًا تربويًا. أول ما ذكّرني به أنه اكتشف أنني معارض للنظام من جوابي له في اللقاء الأول من عام 1977 في الصف الأول الثانوي، بأنني لست من الحارة الغربية ولا من الشرقية.

رويت هذه الحالة المعاش فقط لتحليل أهم المؤشرات السوسيولوجية المرتبطة بعلاقة الطائفي السوري بالآخر في النسق السلطوي بالآتي:

  • أن الأسئلة المتعلقة بالانتماء الطائفي في سورية قديمة جدًا ومرتبطة بالنسق السلطوي للنظام السوري، من خلال التجربة المعاشة، وليست من مفرزات الثورة، كما يدعي البعض، حيث يقوم العديد من أفراد النسق السلطوي الطائفي في أول لقاء لهم مع الآخر بالسؤال عن انتمائه الطائفي والديني، ويختم بشتم الثورة التي أوصلته إلى هذه الأسئلة، أي وصم الثورة بالطائفية، إضافة إلى ازدواجية الهوية لدى هؤلاء في اللحظة ذاتها، من “أمة عربية واحدة” شكلية في الظاهر (ساحة المدرسة) إلى حارة شرقية وغربية متجذرة في ثقافته الممارسة على أرض الواقع (في مكتبه الخاص).
  • التوجس والخوف الدائم لدى الشخص السلطوي الطائفي تجاه الآخرين، مع تبني معايير تقييم الآخرين، بناء على معايير ثقافته السلطوية الطائفية، الخارجة عن حسابات المؤسسات القانونية للدولة الحديثة، بناء على ذهنية “تنميطيه” تنظر إلى الآخرين باحتمال أن يكونوا أعداء للنظام السياسي المنتمي إليه طائفيًا، باعتبارهم خارج نسق طائفته، وتنصيب نفسه ممثل نسق السلطة الأمنية، وهي مهمة تطوعية على الأغلب غير مكلف بها رسميًا، مارسها العديد من أفراد النسق السلطوي الطائفي تاريخيًا، وخاصة في فترات أزمات اهتزاز نسق السلطة في الثمانينيات وما بعد 2011، ومثل هذه الذهنية الطائفية النمطية أدت إلى معارك دينية – طائفية عديدة عبر التاريخ.
  • قيام الشخص السلطوي الطائفي بوضع أسيجة شائكة، بينه وبين الآخرين (من عدم الرغبة في السكن والتجاور إلى جانب الآخر، وعدم الرغبة في التشارك بالعمل المهني، إلى الوصول إلى تحريم التزاوج واعتباره جريمة لا تغتفر)، وبالتالي الحفاظ على مسافة مكانية بينه وبين الآخر، حتى لو مارسها في ذهنيته الدينية الطائفية.
  • كون المجتمع السوري -تاريخيًا- مؤلفًا من جماعات دينية طائفية، غير معلنة لهوياتها الخاصة، على حساب الهوية الوطنية (القومية العربية) المعلنة في المؤسسات العامة للدولة تاريخيًا، لم يمنع من تمتع بعضها “الطائفة العلوية” بامتيازات سلطوية (أمنية)، جعلها تعبّر عن هويتها الخاصة بها فقط، في الأوقات التي تحتاج إلى إظهار النسق السلطوي الأمني أمام الآخرين (الطوائف الأخرى)، كما حدث في الثمانينيات وبعد عام 2011.
  • تماهي بعض التنظيمات الإسلامية السنية، ذات الطابع الطائفي التي برزت في مرحلة ما بعد ثورة 2011 –كردة فعل- على ممارسة النسق السلطوي للنظام في زمان ومكان محددين طائفيًا، من خلال إظهار الامتيازات السلطوية الهوياتية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وبالتالي ظهرت لدى هذه الجماعات هويات دينية طائفية خاصة بها بدلًا من أن تتحرر منها، وبالتالي انتقل المجتمع السوري الفسيفسائي -دينيًا وطائفيًا- من حالة التعايش المعلنة بقوة النسق السلطوي الأمني، إلى حالة من النزاع الطائفي في لحظات معينة، حتى لو اختفى فيما بعد عن الأنظار، نتيجة عودة هيمنة النسق السلطوي الأمني، فهو -النزاع الطائفي- كامن في الأعماق ينتظر لحظة انفلاته لدى جميع الطوائف.
  • لا شك أن الطائفية من القضايا المسكوت عنها في سورية في النسق السياسي والإعلامي الرسمي، من قبل السلطة والمعارضة الإسلامية ذات الطابع الطائفي تاريخيًا، أما في الخفاء، فهي بارزة إلى حد التضخم لدى الطرفين، وقد تم توظيفها كورقة في التغطية على الإشكالات الحقيقية التي تقف وراء الثورة السورية 2011 من قبل النظام السوري، ومن قبل بعض المعارضة الإسلامية ذات الطابع الطائفي، في التحشيد الشعبي والعسكري ضد النظام في فترة الحرب (2012 – 2018)، أي كلاهما عملا على إذكاء الصراع الطائفي والانقسام الاجتماعي داخل المجتمع السوري، وبالتالي التأسيس للعنف وتعميمه في كل أنحاء سورية، الذي عمل على تفكيك ما تبقى من الروابط الاجتماعية للهوية السورية الجامعة، وبالتالي الميل إلى تفضيل خطاب التقسيم ضمنيًا على خطاب الدولة الواحدة المعلن رسميًا.

إزاء هذا الواقع في سورية، يقع على القوى السياسية السورية كافة، والباحثين المهتمين بالشأن الوطني السوري العام، الإجابة عن العديد من الأسئلة: أين الطوائف السورية بكافة ألوانها من التعايش والنزاع؟ هل عوامل التعايش هي الأقوى أم عوامل الاقتتال؟ أين نقاط الالتقاء؟ وأين نقاط النفور؟ متى يلتقي السوري فعليًا مع الآخر السوري المختلف معه دينيًا وطائفيًا؟ وهل هناك مؤشرات اجتماعية سياسية واقعية للعمل الوطني الاندماجي بعيدًا من النسق الطائفي السلطوي الأمني؟

أعتقد أن بوصلة البحث والإجابة عن هذه الأسئلة تقع في وضع تصور الدولة القائمة على الحق والواجب في الاعتراف بالجميع دون أي تمييز في مقدمة أجندة بحث العمل الوطني الجامع.

مقالات ذات صلة

إغلاق