مقالات الرأي

تداعي الحسابات الإيرانية في سورية

بدا لكثير من المتابعين أنّ الإدارة الأميركية لا تنطلق من استراتيجية واضحة للتعامل مع المسألة السورية، خاصة بعد إعلان الرئيس ترامب انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من الاتفاق النووي مع إيران، حيث اكتفى بالإشارة إلى الدعم الإيراني لسلطة آل الأسد، حين سرد قائمة “الأنشطة الشريرة” لإيران.

ولكن في خريطة الطريق الأميركية، التي أعلنها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، في 21 أيار/ مايو، أدرج خروج إيران من سورية شرطًا من الشروط المطلوب منها تنفيذها، انطلاقًا من أنّ الخطوة الأولى لمواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني لا بدَّ أن تبدأ من سورية، باعتبارها الساحة التي تشهد وجودًا عسكريًا إيرانيًا مباشرًا.

ويبدو أن قرار إبعاد إيران عن سورية قد اتُخذ أيضًا على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومن مؤشراته التنسيق الروسي مع “إسرائيل” والأردن والسعودية، في ضوء الاتفاق الأخير لوزيري الدفاع الروسي سيرجي شويغو والإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، حيث صعّدت “إسرائيل” مطالبتها بإبعاد إيران وحلفائها، ليس من حدودها الشمالية فقط، وإنما من كل سورية.

كما أنّ نتائج الانتخابات العراقية والتحالفات المصاحبة لها تؤشر إلى وجود رغبة إقليمية ودولية للحد من نفوذ القوى الطائفية المؤيدة لإيران في العراق، ليس ذلك فحسب، وإنما العمل على إحياء الوطنية العراقية الجامعة، بما ينطوي عليه ذلك من تأكيد الانتماء العربي للعراق، في مواجهة النفوذ الإيراني.

وفي الواقع، يشكل وجود القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها أحد أبرز التحديات لمستقبل سورية، بعد أن استطاع “الحرس الثوري” استدعاء ذراعه اللبناني “حزب الله” للقتال إلى جانب قوات سلطة آل الأسد ضد الشعب السوري، إضافة إلى تأسيس ميليشيات مذهبية موالية لإيران من مقاتلين أفغان “فاطميون”، وباكستانيين “زينبيون”، وميليشيا عراقية “حيدريون” و”النجباء”.

ولكن يبدو أنّ الحسابات الإيرانية آخذة في التداعي، خاصة أنّ روسيا، الفاعل الرئيس في سورية، لا تتوقف عند حدود المطالبة بخروج الإيرانيين وأذرعهم العسكرية فحسب، بل إنها –بعد زيارات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربع إلى موسكو ومحادثاته مع الرئيس بوتين– باتت تقف موقف المتفرج من الغارات الإسرائيلية المتتالية على المواقع والمخازن الإيرانية، في مناطق عديدة من سورية؛ ما يشير إلى خطة، توافقت روسيا وأميركا على تطبيقها، في إطار تقسيم عمل متفق عليه بين الطرفين، بهدف الانتقال إلى حل سياسي في سورية، ما فتئت سلطة آل الأسد المدعومة من إيران تعرقله.

وإذا كانت الإدارة الأميركية جادة في إجبار إيران وأذرعها المذهبية على الانسحاب من سورية؛ فهذا يعني أنّ القوات الأميركية ستبقى في سورية على المدى المنظور، لأنّ خروجها يعني أنّ إيران ستملأ ذلك الفراغ؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك استراتيجية أميركية لمواجهة إيران وسلوكها العدائي في المنطقة مع استثناء سورية، التي تعتبر واحدة من أهم ساحات النفوذ الإيراني اليوم، ربما تستخدمها -في المستقبل- للوصول إلى ساحات جديدة في دول أخرى.

تكمن مشكلة إيران في أنها ترفض دفع ثمن سياسة عاجزة عن متابعتها بمفردها، خصوصًا في سورية، وعلى ذلك؛ من المؤكد أنها تزن الموقف وما سيكلفها الانسحاب من سورية أو البقاء فيها. وهذا ما تعكسه تصريحات المسؤولين الإيرانيين، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، أنّ إيران “ستبقى في سورية طالما هناك إرهاب (!!)، وطالما أرادت حكومة دمشق (!!)، حيث لا أحد يستطيع إرغام إيران على الخروج من سورية، ومن يجب أن يخرجوا هم من دخلوا إلى هذا البلد دون إذن الحكومة”.

وهكذا، يبدو أنّ إيران لن تقبل بالخروج من سورية بسهولة، لأن نظام وليّ الفقيه خامنئي يدرك أنّ الخروج من دمشق سيعني الخروج من طهران، بعد أن استثمرت مليارات الدولارات في مشروعها السوري، الذي استهدف التغيير الديموغرافي في البنية الاجتماعية السورية، وإبقاء التواصل مع دويلة “حزب الله” في لبنان.

وإذا كانت سلطة آل الأسد تستطيع، حتى اليوم، التلاعب بأوراق إيران لحساب روسيا؛ فإنها لن تستطيع سد ثغرات خروج إيران وأذرعها من سورية، إلا بالخضوع لتسوية سياسية تعمل لها القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المسألة السورية، تحت رعاية توافق أميركي–روسي. وفي هذا السياق، يجدر بنا أن نتابع التوافق الروسي–الفرنسي، الذي ظهر خلال المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين بوتين وماكرون في موسكو، في 25 أيار/ مايو، على إنشاء آلية للتنسيق بين “مجموعة أستانا”، التي تضم روسيا وتركيا وإيران، وبين “مجموعة الاتصال” حول سورية، التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن، من دون الخوض في تفاصيل هذه الآلية. ومن الملفت ما ذكره الرئيس الفرنسي من أنّ بلاده “لا تهدف إلى تغيير النظام”، بل العمل على “حل سياسي يضم إقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات يشارك فيها جميع السوريين، بمن فيهم اللاجئون”، وتوقع “أشهرًا حاسمة تحقق اختراقًا في التسوية”.

إنّ تداعي الحسابات الإيرانية في سورية، والحراك الدولي الأميركي–الروسي–الفرنسي المدعوم إقليميًا، قد يفتح أفقًا لإيقاف المقتلة السورية والشروع في تسوية سياسية، لا تتناسب نتائجها المباشرة مع حجم تضحيات الشعب السوري، ولكنها تنطوي على إمكانية الانتقال السياسي والتخلص من سلطة الاستبداد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق