اقتصاد

سورية: مهاتير والفساد

ما تزال ذاكرة سوريين كُثر تحتفظ بما أبداه مهاتير محمد من إعجاب بسورية، أثناء زيارته لها عام 1952، وبإعلانه عن أمنيته بأن تصبح ماليزيا مثل سورية. ماذا رأى مهاتير الشاب في سورية حتى فُتن بها؟ رأى نموًا اقتصاديًا كبيرًا وسريعًا وحقيقيًا، يرتكز على بنية إنتاجية سلعية متينة في الزراعة والصناعة. كانت الصناعة تتوسع وتنمو بمعدلات كبيرة وبوتائر سريعة. كان مستوى المعيشة في سورية في طليعة مستويات معيشة بلدان الشرق الأوسط. ولمح مجتمعًا سوريًا حيويًّا، يمتلك مهاراته التاريخية ويتمتع بحرياته؛ ما يجعل أفق تطوره وازدهاره مفتوحًا على أمل واعد. لم يكن الطالب الشاب مهاتير قد دخل معترك السياسة في بلاده عمليًا حينذاك، لكن شغفه الشديد بالسياسة جعله يعود إلى بلاده وهو يحمل “حلمًا سوريًا”.

وُلِدَ مهاتير محمد عام 1925 لوالد يعمل مدير مدرسة، وإن كانت والدته تنتسب من بعيد إلى العائلة الملكية، فهو ينتمي إلى الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة. لكن تفوقه الدراسي هيّأ له منحة في مدرسة ثانوية إنكليزية، ثم التحق بكلية الطب في كلية الملك إدوارد السابع الطبية في سنغافورة. أثناء دراسته كان ناشطًا في التظاهرات المطالبة باستقلال ماليزيا. انتمى إلى منظمة الملايو الوطنية المتحدة United Malays National Organization، وأصبح عضوًا بارزًا فيها. بعد تخرُّجه من كلية الطب؛ عَمِلَ طبيبًا لكن ليس لفترة طويلة، إذ إن اهتمامه الأساس السياسة لا الطب. انتُخب عضوًا في البرلمان عام 1964، وأصبح وزيرًا للتعليم عام 1975. ثم تدرج في مناصب وزارية عديدة حتى صار رئيسًا للوزراء عام 1981. فاز بالانتخابات خمس مرات متتالية، واستمر في الحكم لمدة 22 عامًا حتى عام 2003 حين تقاعد بإرادته، وهي أطول فترة حكم لرئيس وزراء في تاريخ ماليزيا. غير أن تقاعده الطوعي لم يمنعه من أن يظل نَشِطًا ومؤثرًا في الحياة السياسية الماليزية.

عمل مهاتير على محاربة الفساد والقضاء عليه، وعلى تطوير التعليم والصناعة والتكنولوجيا والزراعة والسياحة. اتبع سياسات ساعدت في ازدهار الاقتصاد، وأتاحت فرص التعليم لجميع أبناء الشعب الماليزي، وعمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وأصلح النظام الضريبي، وخفّض التعريفات التجارية. وضع مهاتير خطة اقتصادية تحت عنوان: (المُضِي قدمًا) The Way Forward أو (رؤية 2020) -Vision 2020، وتهدف إلى أن تصبح ماليزيا في عِداد الدول المتقدمة بحلول عام 2020. فتم تحويل الاعتماد الاقتصادي في ماليزيا من الزراعة والموارد الطبيعية إلى الصناعة والتصدير. وفعلًا تحولت من دولة زراعية تعتمد على إنتاج المواد الأولية وتصديرها، إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطّاعا الصناعة والخدمات فيها بنحو 90 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85 بالمئة من إجمالي الصادرات. حصلت ماليزيا، خلال فترة حكمه الطويلة، على الاستقرار السياسي اللازم للنمو الاقتصادي، وانتقلت من دولةٍ فقيرة إلى دولة متوسطة التطور. شَهِدَت ماليزيا نموًا اقتصاديًا بمقدار 8 بالمئة ما بين عامي 1988 و1996، وتضاعف دخل الفرد من عام 1990 إلى 1996. إن الإنجازات العديدة التي حققها مهاتير جعلته أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ الماليزي.

عاد مهاتير محمد لزيارة سورية عام 1996، وهو في ذروة إنجازاته وتحقيقه ما بات يُعرف بـ “المعجزة الماليزية”. وخلال زيارته ألقى محاضرة في مكتبة “الأسد” بحضور كبار مسؤولي سلطة الأسد الأب، وعلى رأسهم الأسد الابن الذي كان يُحضّر لوراثة “عرش” أبيه بعد مقتل أخيه الأكبر. ركّز مهاتير في محاضرته على موضوع “الفساد في الدولة”. فهل كان تركيزه على هذا الموضوع من باب المصادفة “البريئة”، أم أن ألمه على سورية التي أحبها في شبابه دفعه إلى ذلك؟ يوم أحب سورية في خمسينيات القرن العشرين لم تكن مريضة بمرض الفساد. أغلب الظن أن مهاتير لا يعرف أن الفساد انتشر في جسد سورية انتشارًا سرطانيًا وحسب، وإنما يعرف أيضًا أن الأسد الأب اتبع سياسة الإفساد المُنظّم بشكل منهجي، لتأمين الولاء المطلق من قبل أزلام سلطته، بعد إذلالهم بمسخ ومسح كراماتهم الشخصية والوطنية، وضمانًا لانعدام إمكانية رفض أوامره في أي حال من الأحوال، بما فيها تأبيد سلطته وتوريثها. في محاضرته، شرح مهاتير نظريته في الفساد. قال: “إن الفساد في الدولة مثل الفساد في السمكة يبدأ من الرأس، ومعالجته تبدأ في الرأس”. ولأن لا “ماء حياء” على وجوه بيروقراطي الأسد، صفقوا لنظرية ضيفهم عن الفساد. فهو، بالنسبة إليهم، بالتأكيد لا يتحدث عن سورية بل عن “جزر الواق واق”، أو عن “كائنات فضائية”. نظريات “المؤامرات الكونية” اختراع أسدي، وإن تكن براءة اختراعه غير حصرية. وما يُرجّح أن مهاتير كان يعرف سورية ويعنيها بدرجة شبه مؤكدة، هو أن رأيه في الفساد وموقفه منه ليس مجرد همّ ثقافي وترف معرفي، بل موقف سياسي مبدئي يقتضي المبادرة والعمل. ففي الفترة المتزامنة تقريبًا مع زيارته الثانية لسورية، سارع إلى معالجة الأزمة التي مرت بها ماليزيا عام 1997، بالتصدي لمحاربة الفساد الذي ضرب القطاع المصرفي الذي كان أحد أسباب الأزمة، بسبب انتشار القروض الرديئة أو منح قروض قصيرة الأمد لمشروعات طويلة الأمد. عالج مهاتير الأمر بإعطاء صلاحيات أكبر للمصرف المركزي للرقابة على أعمال المصارف، ووضع قواعد جديدة للائتمان.

مرة ثانية، لما رأى مهاتير محمد الفساد في رأس الحكومة الماليزية ممثلًا برئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق، رأس السلطة التنفيذية في النظام السياسي البرلماني، قرر العودة عن اعتزاله الطوعي للعمل السياسي الذي استمر خمسة عشر عامًا. خاض الانتخابات العامة عام 2018 بعمر 92 سنة. فاز وشكّل الوزارة ليصبح سابع رئيس وزراء ماليزي، وأكبر الحكام عمرًا في العالم. باشر بمحاربة الفساد بدءًا من “رأس السمكة” وفاءً لنظريته. وهكذا حارب الفساد في بلاده خلال 10 أيام فقط بعد أدائه اليمين الدستوري. بدأ بأكثر الملفات فسادًا، تُقدر الأموال المنهوبة من الصندوق السيادي الماليزي بأكثر من 4 مليارات ونصف المليار من الدولارات. كما شرع بالتحقيق مع نجيب عبد الرزاق، رئيس الوزراء السابق، وزوجته وبعض أقاربهم بتهم الفساد والتربّح وتلقي رشى خارجية. أعاد للخزينة 50 مليار دولار من الفاسدين. وألقى القبض على رئيس الوزراء، وعلى 9 وزراء، وعلى 144 رجل أعمال، وعلى 50 قاضيًا، وعلى 200 شرطي بتهمة الفساد. وقال مهاتير: إن حكومته تسعى لاسترداد مليارات الدولارات التي حُوّلت إلى الولايات المتحدة وسويسرا ودول أخرى، في “عمليات غسل أموال”.

ليس الفساد مرضًا بسيطًا فهو “متلازمة”، بالمعنى الطبي للكلمة. تلازمَ الفساد في ماليزيا بالقمع واعتقال من انتقد عبد الرزاق وأسرته والمقربين منه. وإسكات وسائل الإعلام التي نشرت تقارير عن القضية. وأغلقت الحكومة تحقيقات في فضيحة الفساد. وشهدت ماليزيا خلال العامين الماضيين حالة من الاضطرابات السياسية. وتراجع الأداء الاقتصادي، وتراجعت قيمة العملة المحلية أمام الدولار، واستنزفت احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي. ويُقدّر نقص الاحتياطي النقدي بأكثر من 40 مليار دولار، خلال الفترة من 2012 – 2015، كما انخفضت قيمة العملة المحلية بنحو 33 بالمئة، في الفترة من آب/ أغسطس 2014 حتى نهاية كانون الثاني/ يناير 2015.

في سورية، تلازم الفساد مع القمع وتخريب الاقتصاد ونهب خيرات سورية وإفقار السوريين، تحت سلطة الأسدين، لا يُقارن لا مع ماليزيا، ولا مع أي دولة طبيعية في العالم، اللهم باستثناء عراق صدام وليبيا القذافي وما شابههم. “متلازمة” الفساد السوري من أكثر “متلازمات” الفساد العالمي قساوة وعُهرًا وسوادًا. بعد أن أقصى الأسد الأب محمود الزعبي، رئيس مجلس شعب الأسد ورئيس وزرائه لما يقارب نحو ربع قرن، وأحاله إلى المحكمة بتهمة الفساد؛ هدد الزعبي بفضح قصة الفساد كاملة، بالأسماء بلا استثناء وبالأرقام، فاستُنحر بعدة رصاصات في مؤخرة رأسه. والاستنحار تقليد أسدي بامتياز، وقد برع فيه الابن أيضًا، فهو سرّ أبيه.

هل بوسع مهاتير محمد أن يجد، في زحمة انشغالاته بمحاربة الفساد في بلده، متسعًا من الوقت ليتألم على سورية التي أحبها؟ وهل يقرأ مؤشر الفساد العالمي لعام 2018؟ فحسب مقياس يراوح بين صفر ومئة نقطة، حيث تمثل النقطة صفر البلدان الأكثر فسادًا في حين تمثل النقطة 100 البلدان الأكثر نزاهة، جاء ترتيب سورية بـ (14 نقطة) ثمّ جنوب السودان (12 نقطة) وأخيرًا الصومال (9 نقاط) في ذيل الترتيب. والدول العشرة الأخيرة في الترتيب هي: غويانا – غويانا بيساو – كوريا الشمالية – ليبيا – السودان – اليمن – أفغانستان – سورية – جنوب السودان – الصومال. جاء ترتيب سورية 178 من بين 180 دولة، مع الاعتذار من “دولتي” جنوب السودان والصومال على هذه المزاحمة غير المقصودة. ربما يسارع أحدهم إلى الإشارة إلى الأوضاع والظروف الطارئة والاستثنائية التي سببت هذه الدرجات وهذا الترتيب. التذرع بالظروف والأوضاع الاستثنائية يصح فيه القول المأثور: “عذر أقبح من ذنب”. أليست تلك الظروف قرينة جرمية على مدى “توحش” عصابة الأسد الذي عزَّ نظيره، هذا أولًا. وثانيًا، هل كان ترتيب سورية على مؤشرات الفساد، في سنوات ما قبل عام 2011، يدل على انعدام الفساد؟ لو أخذنا مؤشر الفساد لعام 2008، على سبيل المثال لا الحصر، وهو يتقارب مع بقية السنوات الأخرى؛ لوجدنا أن سورية تراجعت إلى مراكز متأخرة جدًا، واحتلت المرتبة 147 بين 180 دولة. أوليس العام 2008 من بين الأعوام التي يفاخر بها الأسد بإنجازاته خلالها على الصعد كافة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؟ فهل المرتبة 147، من بين 180 دولة، تليق بسورية وبالسوريين؟ سورية التي شكّلت في خمسينيات القرن المنصرم “حلمًا” لمهاتير محمد. استحضار هذا “الحلم” واستعادته، وليس إعادته، لا يقتصر على مجرد الحنين إلى الماضي “نوستالوجيًا” بل يُبشّر بقيامة “طائر الفينيق” السوري من تحت رماده. وسيظل للسوريين وأجيالهم الآتية “حلمهم”، وهم يستحقونه وجديرون به.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق