مقالات الرأي

روسيا تكتشف مأزقها الاستراتيجي في سورية

بعد القضاء على “تنظيم الدولة الإسلامية” في الرقة ودير الزور، العام الماضي؛ بدا واضحًا أن المحورَين الروسي والأميركي يتجهان إلى تثبيت مناطق نفوذهما، وترتيب جغرافيا عسكرية أشبه ما تكون بـ “الغيتو” العسكري غير القابل للاختراق.

مع إنهاء تواجد فصائل المعارضة، في الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي وجنوب دمشق؛ يتجه المشهد العسكري في سورية إلى حالة السكون، مع وصول المحور الروسي إلى نهاية حدود القوة التي يمكن أن يعتمد عليها لتغيير الوقائع على الأرض.

أدرك المحور الروسي هذه المعادلة، فالمناطق التي تسيطر عليها “قوات سورية الديمقراطية” المدعومة من أميركا: (الرقة، الحسكة، شرقي نهر الفرات في دير الزور) ومنطقة الجنوب السوري، لا يمكن استعادتهما بالقوة العسكرية، بقدر ما هما خاضعتان لتفاهمات مع الولايات المتحدة غير ممكنة، قبيل وصول التسوية السياسية إلى برّ الأمان، وهو ما عبّر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل غير مباشر، عندما قال إن عملية سياسية نشطة ستشجع القوات الأجنبية على الانسحاب من سورية.

هذا التصريح جاء بعيد اجتماع (أستانا 9) الذي أنهى أهدافه فعليًا، مع نشر تركيا 12 نقطة مراقبة في إدلب ومحيطها، ونشر روسيا 10 نقاط وإيران سبعة نقاط في محيط إدلب. كما جاء تصريح بوتين قبيل أيام من إعادة الميليشيات الإيرانية تموضعها في محافظة درعا بالتوجه شمالًا.

المقاربة الروسية تقوم على التالي: طالما وصلت المعارك إلى نهايتها، بين الأطراف الثلاثة الرئيسية: (النظام، المعارضة، قسد)، في ضوء المعطيات القائمة، فلا بد من جلب الأميركي إلى طاولة المفاوضات للتفاهم على مستقبل سورية العسكري والسياسي والاقتصادي. لكن هذه النقلة تتطلب من روسيا تقديم خطوات عملية تغري الجانب الأميركي للالتقاء معها في منتصف الطريق.

هنا يمكن فهم لقاء بوتين/ الأسد، وما أعقبه من موافقة النظام على تسمية ممثلين له إلى اللجنة الدستورية، في أول تنازل سياسي، وإن كان على المستوى الظاهري، وهنا يمكن فهم تصريح بوتين حول انسحاب القوات الأجنبية بما فيها الإيرانية و”حزب الله”، بحسب التفسير الذي قدمه لاحقًا المبعوث الرئاسي الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتييف.

إنها رسالة إلى واشنطن تفيد في الشق الأول أن روسيا تمارس ضغوطًا كبيرة على النظام، لتقديم تنازلات سياسية بدأت خطواتها مع موافقة النظام على تعيين ممثليه في اللجنة الدستورية، وتفيد في الشق الثاني أن روسيا قد تعمل على إبعاد إيران من سورية أو التخفيف من هيمنتها، لكن ليس قبيل تحقيق التسوية السياسية خطوات ملموسة، أي ليس قبل وصول التفاهمات الروسية – الأميركية إلى نقطة معينة، فموسكو ليست بصدد تقليم أظفار حليف استراتيجي لها في سورية، قبيل وضوح طبيعة التسوية.

أيضًا هي رسالة لـ “إسرائيل” التي لا تمانع في بقاء واستمرار النظام السوري الحالي، شرط ابتعاد إيران عن حدودها وعدم بناء قواعد عسكرية ذات وزن داخل الجغرافية السورية، وإن كانت بعيدة عن الحدود.

تلعب موسكو على وتر استراتيجي حساس في المنطقة، يتطلب موازنات دقيقة وعلاقات مع كافة الأطراف المتناقضة، وإذا كانت موسكو غير مستاءة من الضربات الإسرائيلية للقوات الإيرانية في سورية، فإنها عكس ذلك حين يضرب النظام السوري.

ويمكن ملاحظة تباين المواقف الروسية، فعقب تعرّض القوات الإيرانية لضربات إسرائيلية، نجد موقف روسيا طبيعيًا وأقرب إلى الحياد، في حين نجد حدة في الخطاب الروسي، حين يتعرض النظام إلى ضربات إسرائيلية أو أميركية.

العلاقة الروسية المعقدة مع كل هذه الأطراف تتطلب في المرحلة المقبلة مقدرات مختلفة تمامًا عن المراحل السابقة، ففي المراحل الماضية لم يكن الأمر بحاجة إلا إلى إدارة جيدة للأزمة بين مختلف الأطراف، لكن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من ذلك، حيث المطلوب استلام زمام المبادرة ووضع قواعد للسلوك السياسي والعسكري، وهذا أمرٌ ربما يتجاوز حدود القدرة الروسية.

إن هذا الوضع يحتم على روسيا اتباع استراتيجيات مختلفة تقوم على استغلال التناقضات القائمة في المشهد السوري، فهي بحاجة إلى “إسرائيل” لضرب إيران مع تحييد الأسد ونظامه عن الضربات، وهي بحاجة إلى تركيا لتطويع المعارضة السياسية، وهي بحاجة إلى إيران بالمقابل لموازنة الحضور التركي ولمتطلبات المنافسة مع الولايات المتحدة، وهي بحاجة إلى الأخيرة لوضع الترتيبات النهائية للأزمة السورية عبر ممارسة الضغوط على كافة الفرقاء الإقليميين المتصارعين.

سيكون المشهد الاستراتيجي خلال المرحلة المقبلة بانتظار قرار ترامب حول الانسحاب العسكري من سورية، وما إذا كان ثمة رؤية استراتيجية واضحة المعالم للإدارة الأميركية حول الحل السياسي في سورية.

وحتى ذلك الحين، سيبقى الروس في عنق الزجاجة؛ فقدراتهم العسكرية الكبيرة وصلت إلى حدها الأقصى، وبدأت تستحيل إلى عبء استراتيجي، فلا هم قادرون على وقف المعارك، ولا هم قادرون على فتح باب السياسة.

مقالات ذات صلة

إغلاق