أدب وفنون

ديمقراطية الدجاج

كتب لي صديقي المهندس الكندي/ السوري المتميز “مازن- ب”، رسالةً ينتقد فيها المقالات الكثيرة التي يكتبها الصحفيون والكتاب العرب، ويتهم الغالبية منهم بالتنظير والجهل بالواقع، والنقل عن بعضهم البعض، دون الاعتماد على أي نوع من المعلومات الحقيقية، وإنما على رغبات الكتّاب، العاجزين فعلًا عن طرح بدائل وحلول لمشكلات مجتمعاتهم. “وبما أنني لا أحب الفئران؛ قررت إجراء بعض التجارب على الدجاج الذي أحبه وأطفالي، فسجلت بعض النتائج، أرسلها لك لتتصرف بنشرها بما تراه مناسبًا ومفيدًا”.

وأنا بدوري، أرسلها الى موقع (جيرون)، لنشرها في الزاوية الساخرة، رغم جدية التجارب التي قام بها صديقي، لطرافة الفكرة، ولطرافة بعض النتائج التي توصل إليها، من دون قياسها ومحاولة تطبيقها على عالم البشر.

اعتدتُ الذهاب إلى الريف لشراء البيض من أحد المولعين بتربية الدجاج بالطرق البدائية. زيارة الدجاج كانت دائمًا ممتعة؛ كون الرجل يربي أنواعًا غير مألوفة من دجاج يبيض بيضًا بألوان غير مألوفة.

كنت بين الحين والآخر آخذ أولادي معي ليتعرفوا قليلًا إلى الدجاج وتربيته، وليروا تلك المخلوقات الجميلة. طالبني الأولاد مرات عديدة بشراء بعض الصيصان لتربيتها، ولكن الرائحة الكريهة التي تبثها تلك الطيور كانت دومًا سبب ممانعتي.

بعد سنوات، هرم مربي الدجاج، وأخافه الأطباء، كعادتهم، بأن أجله قريب، ويجب عليه الراحة، وحرصًا منه على دجاجاته، قرر أن يوزعها على من يعتقد أنه سيحسن معاملتها.

عرض عليّ الرجل أن أقتني ثلاث دجاجات لأربيها، ولكن أبنائي طالبوني بتربية الصيصان بدل الدجاج، واحترامًا لأصولي “الديمقراطية”، قررت اقتناء الدجاج. وافقت زوجتي على اقتناء دجاجتين فقط، ومرة أخرى، وانسجامًا مع “أصولي” الديمقراطية، واحترامي لتلك الأصول، قررت اقتناء ثلاث دجاجات.

بنيت لهن قنًا صغيرًا، وذهبت لآتي بهن، ولكن المربي طلب مني أخذ سبع دجاجات، بدلًا من ثلاثة، فعدت بهن فرحًا.

بنيت قنًا آخر، ووزعت الدجاج على قسمين: دجاجاتي جميلات، مختلفات العروق والأصول، مثل حال شعوب العالم اليوم، ما عدا اثنتين صغيرتين، هما من عرق واحد، وضعتهما مع دجاجتين كبيرتين: إحداهما بيضاء والأخرى سوداء موشحة بالبياض، في القن الأول. ووضعت دجاجة سوداء وأخرى رمادية مع ثالثة بنية اللون، في القن الثاني.

فور توزيعهن إلى قسمين؛ أصبح لكل قسم زعيمة تفرض قانونها، وتحلل وتحرم ما تريده –بالقوة- على الجميع، وكأنها ديك.

استنتجت عندئذ:

1- في غياب ديك، تصبح إحدى الدجاجات “ديكًا”.

2- وضعت الدجاجات ثلاث بيضات، في اليوم الأول من اقتنائهن، وبيضتين في اليوم الثاني، ثم بيضة واحدة في اليوم الثالث، وعندما سألت عن السبب، أفادوني أن الدجاج الابيض يتوقف عن إعطاء البيض، إذا بُدل موطنه!

3- كانت قوانين زعيمات الأقنان مجحفة بحق الضعيف، إذ كنّ يمنعه من الاقتراب من الطعام، بالرغم من توفره. وكانت النتيجة أنني كنت أرى بعيني اضمحلال وهزال الدجاجات المستضعفات نتيجة الجوع.

4- زعيمة القن الأول كانت بيضاء، وقد نصبت السوداء الموشحة بالبياض مساعدة لها، وقامت الاثنتان باستبعاد الدجاجتين الصغيرتين.

5- القن الثاني، كانت زعيمته سوداء، وقد نصبت مساعدة لها دجاجة رمادية، فقامت الاثنتان باستبعاد دجاجة بنية اللون.

6- قررت نصرة الضعفاء؛ فوضعت الزعيمة السوداء في قن الزعيمة البيضاء، وسرعان ما نالت نصيبها من الضرب والنقر، بمجرد دخولها إلى قن الدجاجة البيضاء، لتتحول بسرعة إلى دجاجة مهيضة الجناحين ومستضعفة.

استنتجت ثانيًا أن الجبابرة يصبحون أذلاء بمجرد خروجهم من ممالكهم.

7- سيطرت الدجاجة الرمادية -خلال ثوان- على القن الثاني، وقامت بمحاولة القضاء على الدجاجتين الصغيرتين بنقرهن في العنق تحديدًا؛ ما أجبرهن على تغطية عنقيهما بوضعهما تحت أحد ألواح الخشب..

وقرأت: إن مساعد المستبد يصبح سفاحًا، فور غياب سيده.

كانت تجربتي الأخيرة أن أخذت الدجاجة الرمادية، التي كانت قد أصبحت سيدة القن الثاني، ووضعتها في قن الدجاجة البيضاء لتأكل نصيبها من الضرب، فور دخولها القن. وأصبح القن الثاني يضم المستضعفات من الدجاج: الصغيرتين والبنية، فعاشت المستضعفات في سلام ومحبة، وتحسنت صحتهن، أما في قن الزعيمات ومساعداتهن، فاستمر العراك حتى يوم كتابة هذه الملاحظات”.

مقالات ذات صلة

إغلاق