تحقيقات وتقارير سياسية

محتل يُطمئن محتلًا

كشفت تطورات ميدانية، في الأيام الماضية، أن الشرطة العسكرية الروسية انتشرت، مع قوات النظام، في مدينة القصير في ريف حمص الجنوبي، فيما انسحبت ميليشيا (حزب الله) من المنطقة، وهو ما يعزز مطلب موسكو، بضرورة انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، في إشارة إلى القوات الإيرانية وميليشياتها العاملة في سورية، وبينما كانت عناصر (حزب الله) تغادر القصير، كان رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، يُبشر جمهور “المقاومة”، بطول إقامة (حزب الله) وطهران، فوق الأراضي السورية، حتى “تتحرر” وتُستعاد وحدة أراضيها.

بعيدًا عن تصريحات موسكو وطهران وحلفهم في دمشق وبيروت، ظهرت مؤخرًا أنباء توافق تركي-أميركي على خريطة طريق في الشمال السوري، تخص مدينة منبج، بالتزامن مع أخبار تحرك روسي في القصير لحصر دور إيران هناك، كل ذلك يؤكد اليقين القائل إن القوى المحتلة في سورية، بالتعاون مع النظام السوري، تعمل على تأمين سلامة المحتلّ جنوبًا، وتوفير الطمأنينة له. التحرك الروسي المعارض للتمدد الإيراني لم يكن نابعًا من خشية على وحدة وسلامة الأراضي السورية، وفق ديباجة التصريحات الروسية أو الإيرانية، بل من ازدياد تلك الخشية، بعد التفاهمات الإسرائيلية الروسية حيال الميدان السوري.

الاحتلال الإيراني في سورية، شأنه شأن الروسي والأميركي، أو التركي والفرنسي والإسرائيلي، لا علاقة له ولهذه القوى المحتلة بمطالب وحقوق الشعب السوري، إلا في جانب طلب النظام الرسمي من قوى محتلة مؤازرته، ولهذا السبب يعُدّ “النظام” بعض القوى والميليشيات أو العصابات التي تقاتل إلى جانبه، بطلب منه، قوًى “شرعية”، ويشدد على القوى الأخرى المحتلة أن تنظم شرعيتها فوق الأراضي السورية، بتنسيق مع رأس النظام. تكرر هذا المطلب بعشرات التصريحات من مسؤولي النظام، كان آخرها لنائب وزير خارجية الأسد أيمن سوسان: “أي وجود أجنبي من دون موافقة الدولة هو غير شرعي، وما ينجم عنه باطل”.

كل ما نجم عن الاحتلال الروسي والإيراني وميليشياتهم في سورية، وفق منطق نظام الأسد، هو شرعي! وما أحدثته صواريخ موسكو وعصابات طهران هو أيضًا شرعي بالنسبة إليهم، وقد تبنى مؤخرًا الاحتلال الروسي “الشرعي” منطق المحتل الإسرائيلي، بضرورة إبعاد عناصر إيران من المنطقة الجنوبية، وبهذا المعنى يكون السلوك الروسي شرعيًا، لجهة تأمين مصالح المحتل الإسرائيلي، وسلوك النظام في تنسيق المواقف لجهة تأمين ما يلزم أن يتحقق، ولا بأس من ارتفاع منسوب التصريحات حول التنسيق الأميركي-التركي، أو عمليات التحالف الدولي العسكرية في شمال سورية، أو الوجود الفرنسي، أو أي قوة احتلال، لكن إسقاط كل التصريحات المتعلقة بالمحتل الرئيس “إسرائيل” يأخذه الجانب الروسي على عاتقه، كمحتل يؤمن ويطمئن محتلًا، بأن الطاغية بصدد استكمال مهمته “بتنظيف الحدود”؛ حتى يَنعم المحتل بهدوء بعد قلق فقدان الحارس بدمشق.

تتعجل موسكو الأمور، لتحقيق انسحاب أو إعادة تموضع إيراني في الجنوب السوري، ومسألة التحمس الروسي ليست نابعة من مبدأ احترام سيادة الدول، والتحرك وفق هذا المنطق لم يعد خافيًا على أحد لأي الأسباب يعود، بعدما كشفتها زيارات نتنياهو الثمانية لموسكو خلال عامين، وعملية التنسيق العالي حيال هذا الأمر؛ حيث تأمل موسكو من خلفه تنظيم مسرحيات دستورية وسياسية في سورية تفضي، في نهاية الأمر، إلى ما يطمئِن المحتل في الجنوب والطاغية في دمشق، على أن عودة هذا التناغم واستمراره هو مقصدها، أما قوى الاحتلال الأخرى فوق الأراضي السورية، فأهدافها ليست بعيدة عن المرمى الروسي، فكل ما يعوق تقدم السوريين نحو هدفهم المنشود يخدم الطاغية والمحتل، وبالتالي كل صراخ موسكو والنظام والقوى المحتلة عن الخوف على جغرافية ممزقة أو “إرهاب”، في شمال سورية أو جنوبها، مقصده إرسال رسائل اطمئنان من محتلين إلى محتلّ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق