اقتصاد

عن الاقتصاد والفوضوية وحكم اللصوص

على الرغم من أن الأسد، لم يعد ذلك الرئيس الذي يتمتع بصلاحيات سيادية، بحسب ما تؤكده الوقائع، فإن رجاله ما فتئوا ينادونه بـ “سيد الوطن”، في بلد فقد نصف جغرافيته، لصالح كانتونات عسكرية، تسيطر عليها قوى أجنبية خارجية، أعادت سورية إلى زمن الاحتلالات، حيث لا سيادة، ولا قانون، ولا استقلالية في القرار.

“سيد الوطن” لا يبدو مهتمًا بشؤون رعيته (الفئة التي تؤيده أو من هي تحت سلطته قسريًا)، بقدر اهتمامه بكسب الحرب، ومتابعة احتكاره للسلطة، والحياة السياسية، بل احتكاره سبل الحياة، وإتاحتها فقط لنخبة في الحزب والدولة، وعصبة من قطاعات المال والأعمال والتجارة، أثروا جميعًا على حساب شعب جائع، لم يعرف الشبع، منذ أن سطا البعث على السلطة.

في مقاربة لتفاوت العدالة وكرامة الحياة، بين الطبقة التي أنتجها نظام الأسد -طبقة النخبة- التي تشكل نحو 20 بالمئة من السكان، وبين الطبقة المقابلة التي تنضوي تحت سقفها عموم الفئات (بعد أن تراجعت الطبقة “الوسطى” لصالح الطبقة الفقيرة، وازدادت الفقيرة فقرًا) وهي تُشكل -بحسب تقديرات مستقلة- نحو 80 بالمئة من السوريين؛ تبدو الفجوة الاقتصادية والاجتماعية كبيرة جدًا؛ إذ تشير البيانات إلى أن الطبقة المتخمة تنفق ما يُقَدر بخمسة أضعاف ما ينفقه الشعب السوري. أي أن نحو 500 ألف عائلة تقريبًا تنفق ما تنفقه 2.5 مليون عائلة، إذا اعتمدنا ما رشح عن مصادر حكومية بأن عدد العائلات السورية يبلغ نحو 3 ملايين عائلة.

على مستوى الدخل ونوع الإنفاق وحجمه وتلبية الاحتياجات الأساسية، تلقى الـ 2.5 مليون أسرة طعنة قاتلة، على يد الأسد؛ فقد أدى نهجه الاقتصادي إلى تهشيمها بطريقة معقدة وإفقارها، وبالتالي شلّ أدوارها وإقصائها عن وظيفتها، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في آن معًا.

روّج الأسد لرخاء هذه العائلات الضعيفة، وتحسين واقعها، عبر بروباغندا مشروع “التطوير والتحديث”، مشروعه الأشهر؛ إذ كان يعِد -حين يتحدث عنه- بالازدهار وسعة العيش ورغد المستقبل، مستعينًا بمتانة اقتصاد وموارد، أغفل الإشارة إلى أن من يستثمرها في الواقع، إنما هي شبكات زبائنية داعمة لنظامه.

في مكاشفة برلمانية طارئة، اتضحت هزلية الطرح، وإخفاق الأسد في التوصل إلى ما سبق، وإن روّجه وحوّل مضامينه إلى عناوين إعلامية ثابتة وشعارات يرددها الصغار والكبار؛ فقد اعترف محمد الحسين وزير المالية الأسبق، بأن موارد خزينة الدولة في عام 2008 تأتي عبر ثلاث أقنية رئيسة: “النفط، فوائض المؤسسات الاقتصادية، ضرائب الرسوم”، وأنها ما تزال قليلة؛ فليس سرًا -والقول للحسين- أن إنتاج النفط، بالرغم من ارتفاع سعره العالمي حينذاك، قد تراجع من 600 ألف برميل، في تسعينيات القرن الماضي، إلى 360 ألف برميل في عام 2008. أي أن الإنتاج انخفض إلى النصف، وبالتالي انخفضت إيراداته. وسجل عجز الميزان المالي النفطي نحو 100 مليار ليرة سورية (سعر صرف الدولار كما حددته الحكومة 49.5 ليرة). أما بالنسبة إلى المورد الثاني: “المؤسسات الاقتصادية” ويبلغ عددها نحو 250 شركة ومؤسسة، فلم يصل فائضها إلى نصف ما كان مقدرًا لها في عام 2007. فيما تم التركيز على المورد الثالث “الضرائب والرسوم”؛ حيث ارتفعت حصيلتها بنسبة كبيرة، سدت نقص إيرادات المؤسسات الاقتصادية “الخاسرة”.

تؤكد الحصيلة أن الأسد، الذي وعد بتطوير وتحديث أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لم يقرن وعوده بما يترجمها على الأرض، وبقيت مشاريعه مجرد رغبة فرضتها حاجته الطارئة إلى كسب ود شعبه، وسرعان ما أزاح وجهه، عندما استعاض علنًا عن حق المواطن في العيش بحرية وكرامة مع تأمين احتياجاته، بالضغط عليه، والشد على خناقه، وإرهاقه بضرائب مجحفة، كان أكثر من تأثر بها العاملون في القطاع الرسمي، الذين تآكلت رواتبهم وأجورهم، على خلفية ضريبة كبيرة، أطاحت ربع كتلتها المقررة ضمن الموازنة العامة.

لا تبدو الفوضوية، حيث لا يوجد قيد على دوافع اقتناص الأشياء من الآخر، المسؤولة الوحيدة عمّا أدى إلى حطام المجتمع السوري. بل إن الجزء الأكبر من هذه المسؤولية يتحمله نظام الكليبتوقراطية “حكم اللصوص” الذي رهن البلاد لصالحه؛ “حيث استولى أصحاب السلطة على معظم الأصول لأنفسهم”.

ففي غياب العدالة والشفافية والمساءلة؛ سيطرت فئات مقربة من الأسد: “حاشيته وضباط الجيش والمخابرات ورجال الأعمال والتجار”، على الاقتصاد وسخّرته لمصالحها وتعظيم أرباحها. وخلال العقدين الأخيرين، تركزت الثروة بأيدي قلة، هي الفئة التي تبلغ اليوم نسبتها 20 بالمئة. بينما حُرم 80 بالمئة من الشعب السوري، كرامة الحياة، قبل أن ينحدر واقعهم نحو الحضيض، وظلوا رهن حالة عوز مكشوفة، طوال الوقت، تجاوزت فيها النخبة حدود التوحش، لتنهش خلال الصراع الحالي لحومَ السوريين، وتواصل رهانها على الحرب كمورد إضافي لثرائها، وزيادة حجم ملاءتها المالية.

يبرر الأسد إخفاقاته الاقتصادية المستمرة، بطريقة فجة، غير أن خطابه الرسمي، حول ما يتعلق بجوانب الحياة الداخلية عمومًا، كان يتسم بخداع منمق، لم ينقطع، ما زالت تتبناه وسائل إعلام موالية، وقوى مساندة، ومجموعات مصالح، لم ترَ في الفجوة العميقة هذه ما يحفزها للتعاطف مع الفقراء والجوعى والمهمشين اقتصاديًا، في طول البلاد وعرضها.

قبل ثلاثة أسابيع، وصف رئيس الحكومة -في معرض رده على سؤال حول ضرورة زيادة رواتب وأجور العاملين في الدولة بعد أن فقدت قيمتها- الزيادةَ بـ “الموضوع المهم”، لكنه عاد وأردف مسرعًا: “إنها باهتمام سيد الوطن”.

فأيَّ سيّد كان يعني؟ وأيّ وطن هو المقصود؟! عليكم أن تخبروا الشعب بالحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق