كلمة جيرون

هل يكفي أيها السادة؟

ينتقد كثير من المعارضين السوريين التفاؤلَ الذي نكتب به، ولا يعجبهم الجزم الذي نؤكد به أن الحلم بزوال النظام الشمولي السوري سيتحقق، عاجلًا أم آجلًا، كما لا يعجبهم الحديث عن الثورة، ككائن حيّ لا يموت، وعن مبادئها كمنارات لا يمكن أن تنطفئ، ويرون أن نظرة موضوعية تجاه حال المعارضة السورية ستقلب هذا التفاؤل إلى تشاؤم، ويطالبون بشدّة بـ “النقد الذاتي”، ويصرون على ضرورة كشف حال المعارضة السورية.

هل يكفي، أيها السادة، أن نقول إن بعض المعارضة السورية فقدت بصيرتها، منذ الأشهر الأولى للثورة، واعتقدت أن النظام الجحيمي، الذي حكم سورية بالحديد والنار خمسة عقود، يمكن أن يزول بسهولة وسرعة، وهو الذي خبر المؤامرات والأعمال الاستخباراتية والإرهابية واعتاش عليها، وصارت تُنظّر بأن سقوطه سيكون بعد أيام.

هل يكفي، يا سادة، أن نقول إن المعارضة السورية راهنت -منذ البدايات- على الخارج أكثر من الداخل، وأهملت الأنشطة المدنية والإضرابات والعصيان المدني، وانتقصت من قدرة السوريين على صنع ثورتهم بخصوصيتهم وبطريقتهم وبأسلوبهم.

وهل يكفي أن نقول إن بعضها ابتهج بحماقة، عندما تسلّحت الثورة، وغضّ الطرف عن تسوّد أمراء الحرب الجدد الجهلة قصيري النظر، ونسي أن السوريين أرادوا التخلص من العسكر الذين أذاقوهم طوال عقود ويلات الشقاء، وتجاهل أن غاية الثورة الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية!

أيها السادة، هل يكفي أن نقول إن المعارضة السورية مهّدت الطريق للإسلام السياسي، وغضّت الطرف عن كوارثه، وهي تعرف أنه سيُحوّل الثورة إلى “غزوة” و”جهاد”، وأنه سيؤدلج حتى الهواء الذي يتنفسه السوريون!

هل يكفي أن نكشف ما هو معروف، بأن غالبية المعارضة اهتمّت بالمال السياسي السهل والخارجي، ونسيَت أن لدى السوريين قدرة على تمويل ثورتهم ذاتيًا، فارتهنوا لدول، وخضعوا للشروط السياسية، ونسوا أن القرار المستقل ينبع دائمًا من التمويل المستقل!

وهل يكفي أن نقول إن المعارضة السورية اعتقدت أن السياسة شطارة و”فهلوة” وقدرة على التلوّن، كما اعتقدَت أن السياسي بلا أخلاق ولا ضمير؛ فأهملت القيم الوطنية، واستبعدت الكبير، وقرّبت الصغير، وسوّدت الأعلى صوتًا، والأكثر صخبًا، والأقل رشادًا، لا الأشدّ انتماءً وخبرةً وحنكةً سياسية ووطنية.

هل يكفي يا سادة أم نزيد؟ هل انفرجت أساريركم؟ هل شُفي غليلكم؟

لكن يا سادة، انتبهوا… من قال لكم إن المعارضة الحالية هي الثورة، وأن شخوصها هم الأمل، وأن رجال السياسة فيها هم المعلّمون والبوصلة، أو أنهم مظلة أمان سورية المستقبل؟! ومن قال أيضًا إن عدم الحديث عنها هو غض طرف عن أخطائها وكوارثها ودورها المُدمّر لفكرة الثورة؟

لكن، وبدقة ومباشرة، كلّ هذا لا يهمّ، فدروب الثورات لا تُرسم مُسبقًا، ولا توجد ثورتان متشابهتان، ولا يوجد نسخة أصلية يجب أن نقيس عليها الثورات، كما أن الديكتاتوريات درجات، من الحاكم المستبد، إلى الحاكم المجرم القاتل، وصولًا إلى الحاكم المُدمّر، رجل البراميل والأفران البشرية والكيمياوي، وهذا الأخير كان من نصيب السوريين، وكان من سوء حظهم أن المعارضة حملت بعضًا من أمراضه.

فكرة الثورة في سورية، يا سادة، ستستمر، والنظام سيزول، ليس لأن المعارضة لها معنى أو وزن أو ثقل، بل لأن جرائم النظام السوري كارثية، وأفعاله أندت جبين الإنسانية، ودروبه مليئة بالدماء، وصرخات ضحاياه وصلت إلى أعالي السماء، ورهاناته خاطئة، وارتهاناته فاضحة، ومجازره واضحة، والوثائق التي تدينه تملأ الرفوف، ونتن طائفيته يزكم الأنوف، ونتائج أخطائه لا نهائية.

ما يمكن إضافته، أن الفرصة مُتاحة دائمًا لصعود معارضة أخرى، قادرة على احتواء تعقيدات المرحلة الحالية، وتحمل معها همّ الوطن والبشر، وتنسى همومها الشخصية، معارضة تبني مستقبلًا حرًا كريمًا، ترسم الطريق، وتضع مبادئ الوطن المُشتهى، تلمّ وتجمع وتهدد العروش، عرش النظام وعرش “المعارضة” الحالية، على حد سواء، وتحشد السوريين خلفها للخلاص من الطرف الأول وتنحية الطرف الثاني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق