اقتصاد

الليرة التركية تبحث عن سعرها الحقيقي

عمَّق الدولار الأميركي خسائره إلى أدنى مستوى في ثلاثة أسابيع، أمام سلة من العملات، فتحسن سعر صرف الليرة التركية التي بدت مستقرة حتى بعد أن فقد إجراء رفع سعر الفائدة زخمه. ودعمت استطلاعات الرأي التي ما تزال ترجح فوز الرئيس رجب طيب أردوغان بولاية مبكرة ثانية، وفوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات النيابية القريبة، استقرارَ سعر الليرة.

أظهر سلوك الليرة التركية المضطرب في آخر شهرين عوامل عديدة تجاذبتها، أهمها العوامل الخارجية غير المتعلقة بمؤشرات الاقتصاد التركي. فمعدل البطالة التركي لم يسجل قراءة سلبية جديدة، كما أن معدل التضخم السنوي كان قريبًا من الرقم الحالي منذ أكثر من سنتين، عندما كان سعر الدولار الأميركي قريبًا من 2.7 ليرة تركية، في صيف 2016.

ومن العوامل الخارجية الأخرى، تهافت مؤسسات التصنيف العالمية على منح تركيا درجات تصنيف سلبية في شأن ديونها الخارجية، إضافة إلى التضخم المستورد نتيجة معدلات النمو المنخفضة في اقتصادات الاتحاد الأوروبي، باعتباره الشريك التجاري الأكبر لتركيا. كما يمكن النظر دائمًا إلى ما يجري جنوب الحدود التركية، في سورية، كعامل عدم استقرار يتفاعل سلبًا بشكل مؤثر نسبيًا على سعر الليرة التركية، خاصة أن التجار السوريين يدفعون ثمن بضاعتهم بالدولار الأميركي.

هنا، لا يمكن إهمال تصريحات مسؤولين أتراكًا حول تلاعب دولتين عربيتين، لم يسمهما أحد، بسعر صرف الليرة التركية، خلال الشهر الماضي، بالتزامن مع زيارة الرئيس أردوغان إلى لندن، منتصف الشهر الماضي، وتصريحاته المثيرة للجدل بشأن سعر الفائدة، وتأثيره على التضخم الذي اقترب من مستوى 11 في المئة على أساس سنوي.

أما الغائب الحاضر في تدهور سعر صرف الليرة، فيمكن إعادته إلى نشاط مافيا الفوائد في تركيا، التي كانت تحكم تركيا طوال عقود، وكانت يدها بيد العسكر في جميع الانقلابات التي حدثت في تركيا، حين كانت فوائد الإقراض تصل إلى 45 في المئة؛ ما جعل التضخم جامحًا ودون ضوابط، وسعر رغيف الخبز التركي مليون ليرة. فهذه المافيا تسعى إلى مثل هذه الفرصة لتوجيه ضربة للحكومة التركية التي حدّت من نشاطها، خلال العقد ونصف العقد الماضية.

بالطبع، لا يمكن إهمال تأثير أيّ من الأسباب الآنفة في تراجع سعر صرف الليرة، خاصة أن فترة هذا التراجع كانت قياسية، ولمجرد أن كسر الدولار الحاجز النفسي للأربع ليرات في مقابله، بعدما قاومت الليرة ذلك خلال أكثر من سنة؛ تدافع الزخم السلبي لليرة وكادت أن تكسر حاجز الخمس ليرات، خلال الأسبوعين الثالث والرابع من أيار/ مايو، قبل تدخل البنك المركزي ورفع سعر الفائدة ثلاث نقاط مئوية إلى 16.5 في المئة.

أرجع عبد الناصر الجاسم، أستاذ الاقتصاد في جامعة ماردين، أسباب تراجع سعر صرف أي عملة إلى أسباب اقتصادية، وأسباب غير اقتصادية، كالاضطرابات الداخلية، والمضاربة، وفي الحالة التركية هنالك العامل السياسي الداخلي المتمثل في الانتخابات الرئاسية والنيابية المتزامنة في 24 حزيران/ يونيو الجاري.

ورأى الجاسم أن “الليرة التركية تراجعت لأسباب غير اقتصادية، كون مؤشرات النمو، واحتياطي البنك المركزي من العملات الصعبة التي تكفي تركيا 12 شهرًا، ومؤشرات التجارة الخارجية، تدعم تحسن سعر الصرف، لا تراجعه”. وأضاف أن “التوقعات المتفائلة للموسم السياحي الذي حقق حتى قبل ذروة الموسم رقمًا فاق سبعة ملايين سائح، في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، يؤشر إلى أن سعر الصرف سيتحسن بشكل مستمر، لتعود الليرة إلى سعرها الحقيقي، حين يزول تأثير الأسباب غير الاقتصادية”.

كما لفت الجاسم إلى “الخلاف بين البنك المركزي التركي من جهة، والحكومة والرئاسة من جهة أخرى، حول مسألة التمويل الخارجي، والاستثمارات غير التركية، فالمركزي يرى أن هذه (الأموال الساخنة) تشكل خطرًا على الاقتصاد، لأي سبب سياسي طارئ، فتركيا في السنوات الأخيرة ما بعد عام 2014 تعيش وسط محيط سياسي مضطرب من سورية، إلى روسيا، إلى أوروبا وأميركا. بينما ترى حكومات العدالة والتنمية المتوالية أن الاستفادة من التمويل الأجنبي يدعم الاقتصاد التركي المحتاج في مرحلة صعوده إلى سيولة كبيرة، لتمويل مشاريع البنية التحتية العملاقة التي بدأت منذ عام 2002، وتنظر بتفاؤل إلى عام 2023 برمزيته التركية الجامعة، كهدف قد يضع تركيا في مقام الاقتصاد الحادي عشر عالميًا”.

وعلى الرغم من تحسن بيانات الاقتصاد الأميركي الصادرة يوم الجمعة الأول من الشهر، وتراجع معدل البطالة إلى أدنى مستوى (3.8 في المئة) منذ عام 2000، مع إضافة القطاعات غير الزراعية 223 ألف فرصة عمل في أيار/ مايو، وهي قراءة أفضل من التوقعات (190 ألفًا)، قفزًا من 159 ألف فرصة في نيسان/ أبريل الماضي، فإن الدولار استمر في تراجعه أمام سلة من العملات للأسبوع الثاني على التوالي، متأثرًا بأسباب غير اقتصادية يمكن قراءة أثرها في ارتفاع سعر نفط برنت، المرجعي، ونفط نايمكس الأميركي، قبل أن يتراجع سعرهما خلال جلسة هذا الأسبوع، مع سريان مفعول العقوبات الأميركية على إيران، والاستجابة الطوعية من شركات النفط العالمية العاملة في إيران لتنفيذ هذه العقوبات. هذا دون أن ننسى أخبار القمة الأميركية – الكورية الشمالية المزمع عقدها في سنغافورة، في 12 حزيران/ يونيو الجاري.

كل ذلك ترك أثره الإيجابي على الليرة التركية، التي بدأ يتحسن سعر صرفها ببطء، ولكن باطِّراد، طوال أيام الأسبوعين الماضيين نزولًا من القمة التي بلغتها، يوم الأربعاء 23 أيار/ مايو الماضي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق