مقالات الرأي

النكسة: عندما يقرض “العسكر” الدولة

الانتكاس في الاصطلاح هو توقف في التقدم، عودة لمرض بعد صحة، والانتكاس خيبة أمل وتراجع، وبهذا المعنى، كانت حرب الأيام الستة عام 1967 خيبةَ أمل للشارع العربي الذي ردد خلف الناصرية والبعثية حينذاك مقولات “رمي إسرائيل في البحر”، وكل آمالهم معلقة على حكومات العسكر، حكومة الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر منذ 1952 في مصر، وحكومة انقلاب آذار عام 1963 في سورية. لم تكن تلك الآمال والعواطف الجياشة سوى مجرد أحلام لم ترتق لمصاف الوعي والتنظيم والعمل المؤسسي، هي الفكرة النقدية ذاتها التي تناولتها العقلانية العربية نقدًا، في كتابات إلياس مرقص وعبد الله العروي وياسين الحافظ وغيرهم، حين أسموها هزيمة، هزيمة أمة في مشروعها الوطني، مشروع بناء الدولة الحديثة. لينقل المرحوم ياسين الحافظ، عن لسان عبد الناصر، المقولة التي تكاد تكون اليتيمة لرئيس عربي، دون سواه، يعترف بالهزيمة: “بنينا المشافي ولم نبن جهازًا طبيًا، بنينا المدراس ولم نبن المؤسسة التعليمية، بنينا سلاح طيران ولم نبن الإنسان”. وعي هذه الأمة الضبابي، ووهمها في كيفية بناء المجتمع، الأمة الزاحفة خلف زيف مقولات نظم العسكر التي لم تترك أي “أدلوجة” عاطفية إلا قدمتها وجبة سهلة الهضم لهذا الشعب العاطفي تاريخيًا، بغية الحفاظ على مكاسبها من السلطة التي تهيمن على كل مفاصل الدولة فيها؛ الدولة التي كانت -وما زالت- حلم المواطن العربي، منذ خروج مجتمعاتهم من معضلة الاستعماريين العثماني فالانتداب الغربي، فهل كان الوعي العربي بمصاف الإمكانية لذلك؟

يُفترض في بناء الدولة الحديثة، دولة المواطنة والحقوق المدنية والسياسية، دولة الدستور وحكم المؤسسات التي تحمي الحريات الفردية والعامة، وتعمل على توظيف تلك الإمكانات الفردية في صيغ عمل جماعية متكاملة في بناء الدولة ورفاهيتها، ما ينعكس على الفرد بذاته في العيش الكريم والشعور بالأمان والقدرة على تقديم أفضل ما لديه لأجل ذلك؛ يفترض لذلك ثلاثة “فصول”، والفصول جمع فصل، هي حدود موضوعية واضحة ومحددة دستوريًا ومحمية قانونيًا:

  • فصل الدين عن الدولة، بحيث تكون الدولة حيادية بمؤسساتها وسلطاتها، بمسافة متساوية من كل الأديان والملل والطوائف، بوصفها موروثًا شعبيًا ثقافيًا ذا أسس لاهوتية وميتافيزيقية تعبّر عن محتوًى أولي لبناء الدولة ما قبل الحديثة زمنًا، أما وقد تجاوزته عجلة الاقتصاد والعلم الحديث، وليس ذلك فقط، بل المعرفة الإنسانية بشقيها العلمي والأخلاقي، فقد وجب وضع الحد بينها وبين القانون الذي يرصد حركة الأفراد والمؤسسات في المجتمع، وذلك وفق مرجعية وضعية يتفاهم عليها البشر المختلفون دينًا بينهم، في عقد اجتماعي بينهم أساسه المواطن/ة – الفرد.
  • فصل العسكر عن الدولة، فالعسكر وآلته الحربية بعتاده وعسكرييه هم ركن حماية الدولة ومؤسساتها من عدوان خارجي على أرضها، ويجب أن تخضع قراراته في ذلك للمؤسسات المفترض حمايتها. ذهنية العسكر ذهنية صراع ومغالبة، احتلال وهيمنة، تراتبية ومركزية ورئاسية هرمًا، وهي ما يجب أن تحدّ بعيدًا عن الحياة المدنية والسياسية القائمة، وفقًا لمعطيات العصر (القرن العشرون وما تلاه لليوم)، على الحريات والدستورية في مسار مختلف، يمتد أفقيًا في التنوع والتعدد والاختلاف عن مسار العسكر، في مركزيته وأوامره وخضوع مرؤوسيه لقرارات رؤسائهم، تحت عنوان “نفذ ثم اعترض”.
  • فصل الثقافة عن الدولة، بحيث تبقى الثقافة وحرية الرأي والبحث في المحتوى القيمي للإنسان ومعنى وجوده، خارج مكننة الدولة ومؤسساتها الوضعية والتنموية؛ ما يعني بالضرورة أن تبقى الثقافة، كما الأديان وشعائرها، حقوقًا مصونة للأفراد في التصور والإبداع الفردي بعيدًا من أيادي الوضعية القانونية لمؤسسات الدولة، وأيديولوجية الأحزاب الحاكمة في سلطاتها، ويد العسكر التي لا تتقن سوى لغة الحرب والصراع. وتبدو هذه النقطة، إلى اليوم، غير مطروحة على جدول أعمال الثقافة الوطنية، حتى في ظل ثورات الربيع العربي التي يقوم كلٌّ من نظم العسكر ونظم الدين المتأخر بنحرها، وتحويل حواملها وأفرادها إلى مشاريع قتلى جملة وأفرادًا.

نُظم العسكر التي حكمت رقاب المجتمع، وهيمنت على مؤسسات الدولة الناشئة بعد استقلالها عن الانتداب الغربي، استقت من الدين والأديان مقومات هيمنتها على عواطف ومشاعر المجتمع؛ وليس هذا وحسب، بل حولت مؤسسات الدولة إلى أماكن نفوذ وسيطرة لأحزابها الكرتونية، وصاغت أدلوجتها القومية في الحرية والوحدة، لتصيب مجتمعاتها في مواضع إجهاض وقضم عدة: خذلان اللاشعور الجمعي للأمة في موروثها الراغب في الانعتاق والحرية، هزيمة الوعي في تكريس نظم الإذلال وثقافة السجون والاعتقال، تكريس ثقافة التبعية وألوهية الحاكم ومحاكم التفتيش، أو ما يسمى “محاكم قوانين الطوارئ والإرهاب”، هي ثقافة الوهم في التحرر، في مقابلة تكريس الهيمنة والتحكم التي كانت -وما زالت إلى اليوم- تقرض كل مؤسسات الدولة، وتصبغها بصبغتها العسكرية مرة والدينية في أخرى، ناسفة من الجذر مقولة الإنسان الفرد وحريته وكرامته ووضعه القانوني والدستوري بالمبدأ.

لم تنتهِ هزيمة حزيران/ يونيو في ستة أيام فقط، بل استمرت في ذهنية وعقلية المواطن العادي حتى اليوم ذكرى أليمة، ما زال يكرر ذكراها سنويًا وكأنها عيد انتكاس في وجدانه وضميره، ولم تزل مؤسسات السلطات والنظم العسكرية تحصي فقط خسائر العتاد العسكري وقتها، كما فعلت الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء الفلسطيني في 20 آذار/ مارس 2012، حين أوجزت ولخصت هزيمة أمة مستمرة لليوم في حساب: أن “إسرائيل” في تلك الحرب خسرت 800 جندي و2-5 بالمئة من عتادها الحربي، في مقابل ما بين 15 و25 ألف عربي، وتدمير 70-80 بالمئة من عتاد العرب الحربي، مع احتلال “إسرائيل” لسيناء المصرية والجولان السورية وكل من الضفة الغربية الأردنية مع قطاع غزة… فهل كانت مجرد نكسة فقط؟ واليوم، وبينما تحتفل “إسرائيل” بقرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، كمقدمة للاعتراف بها “عاصمة لدولة إسرائيل”، ما زالت بيانات الاستنكار والشجب عنوانًا رئيسًا لسياسيي العسكر ونظمها، ولا تكتفي بهذا بل تطالعك تلفزيونات أنظمتها في مغالطة مشبوهة، عندما تظهر على شاشتها جرح أو قتل متظاهرين فلسطينيين، سواء في ذكرى يوم الأرض أو ذكرى ما سمي نكبة أو نكسة في وعي مأزوم ومهزوم، لا ينتصر إلا على شعبه بقتله وتهجيره واستدعاء كل قوى العالم وميليشياته الطائفية، لاقتسام موروث هذا الشعب في أكثر لحظاته انتصارًا لذاته ضد طغمتي العسكراتية والدينية المتطرفة، ليبقى سؤال الدولة الحديثة راهنًا، بالرغم من كل الهزائم المتلاحقة التي تمنى بها النظم الحاكمة ذاتها، وتلصقها بالشعوب بهتانًا، فهذه الشعوب التي استفاقت من غفلتها -عبر ثورات الربيع العربي- تدرك أن معركتها طويلة واستراتيجية، وأن محطتها الأولى كسب معركة استعادة الدولة من طغم العسكر ونظم حكمهم، في تحالفهم المقيت مع التطرف الديني وموروثيهما الاستبدادي.

مقالات ذات صلة

إغلاق