مقالات الرأي

هل يشكل اتفاق منبج البداية لإعادة الثقة بين الحليفين

على الرغم من تنسيقها مع روسيا عبر أستانا، فإنها لم تقطع خيط تعاونها مع الولايات المتحدة بالكامل، ولطالما عرضَت على البيت الأبيض خططًا لتسيير عمليات مشتركة ضد تنظيم (داعش)، لا سيّما في الرقة قبل تخليصها من سيطرة التنظيم، عبر “قوات سورية الديمقراطية” التي يُشكّل حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تصنفه بالإرهابي، عمودها الفقري.

وعلى الرغم من مطالبتها، والمقصود هنا تركيا، الولايات المتحدة، مسبقًا، بالتنسيق معها ومنحها فرصة السيطرة على منبج خلال عملية “درع الفرات”، فإن الولايات المتحدة، بإدارتها السابقة، رفضت ذلك، وأمعنت في الابتعاد عن تركيا، بدعم “قوات سورية الديمقراطية” بالأسلحة الثقيلة، ولم تُخالف الإدارة الجديدة مسار الإدارة السابقة كثيرًا، في بداية توليها للحكم، حيث واصلت تقديم الأسلحة الثقيلة، ودار الحديث في عهدها عن تأسيس “قوة أمنية حدودية”، قوامها 30 ألف مقاتل ينتشرون على الحدود السورية-التركية؛ الأمر الذي أوصل تدهور العلاقات التركية-الأميركية إلى أوجه، لكننا اليوم نشهد توافقًا نسبيًا بين الطرفين، أثار التساؤل حول العوامل التي قد تكون أدت إلى عودة الطرفين إلى التعاون المشترك.

1 – انتهاء مهمة “قوات سورية الديمقراطية”:

لعل ما قامت به ميليشيات “سورية الديمقراطية”، في محاربة (داعش)، هو العامل الأساس في دعمه من قبل الولايات المتحدة التي رأت فيه قوة ميدانية فاعلة وقليلة الكلفة، ومع انتهاء خطر تنظيم (داعش) بشكلٍ كبير، ومع سيطرة “سورية الديمقراطية” على مساحات واسعة من سورية، لا سيما المناطق الغنية بالنفط؛ أضحت الولايات المتحدة بحاجةٍ إلى الانخراط في عملية تسوية تضمن لها شرعية وجودها، وتبلور لها معادلة سيطرة ميدانية في مناطق نفوذها -مناطق شمال شرق سورية كما هو ظاهر- بعيدًا عن الخلاف مع روسيا ذات النفوذ السياسي الأكبر في سورية، وتركيا ذات الموقع الجغرافي الاستراتيجي.

باتت الولايات المتحدة بحاجةٍ إلى الانتقال لمرحلة ما بعد (داعش)، لذلك هي بحاجة ماسة إلى تركيا التي تُعدّ الرافض الأول للدعم الأميركي لـ “قوات سورية الديمقراطية”، بسبب ما تشكله “وحدات الحماية” من تهديد لأمنها القومي، وتحتاج الولايات المتحدة إلى تركيا، في التنسيق لتأسيس مجالس إدارية محلية ديمقراطية، وفق ما أفصحت عنه مؤسسة (راند) حول الخطة الاستراتيجية الأميركية للبقاء في سورية. مجالس تكتسب شرعيتها شعبيًا، وتكون مدعومة أميركيًا وغربيًا، وفي هذا تحتاج الولايات المتحدة إلى التنسيق مع تركيا التي تحوي عددًا واسعًا من هذه المجالس، إضافة إلى حاجتها إليها في تيسير العمليات اللوجستية لعملية إعادة الإعمار التي يبدو أنها ترغب في توظفيها كورقة ضغط ضد روسيا والنظام لتخفيف النفوذ الإيراني، والإبقاء على نفوذها في سورية.

في هذا الإطار أيضًا، يبدو أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تركيا أكثر من “قوات سورية الديمقراطية” في وقتنا الحالي؛ نظرًا إلى احتواء تركيا لعدد من القواعد العسكرية، ونظرًا إلى قربها من الحدود السورية، إذ قد تضطر الولايات المتحدة إلى اتخاذ تركيا نقطة انطلاق لدعم وجودها الاستراتيجي في سورية، ولتأسيس آلية مراقبة حقيقية ضد النفوذ الإيراني.

2 – الاستراتيجية الأميركية الجديدة:

عند التمعن في الاستراتيجية الأميركية الجديدة؛ يُلاحظ أنها تركّز على استراتيجية الاحتواء والتطويق، التي تقوم على بناء تحالفات إقليمية محورية تتقاسم التكاليف وفقًا لسياسة توزيع الأدوار. ولأنّ الولايات المتحدة تسعى فعلًا لتقاسم فاتورة بقائها في سورية مع الدول الأخرى، ترى، على ما يبدو، دولَ الخليج القوى المُمولة، أما تركيا فتراها على أنها داعم لوجستي، ووفقًا لذلك، يبدو أن الطرفين تقاربا واتفقا حول سيطرة تركيا على عفرين التي تمثل أولوية للمصالح الأميركية في سورية، ومن ثم منبج التي جاءت، ربما، كمقدمة حسن نية من الولايات المتحدة، لاستقطاب تركيا نحو التحالف ضد النفوذ الإيراني.

3 – احتراف تركيا في لعبة موازنة القوى:

لا شك في أن تركيا استطاعت تأسيس ميزان قوى محترف، بين القوتين الروسية والغربية، وقد بدا أن هذا الميزان بدأ يرجح بشكلٍ أكبر لصالح روسيا، بعد توصل الطرفين إلى اتفاق خط “السيل التركي” الذي ينقل الغاز الروسي نحو أوروبا عبر تركيا، ومحادثات أستانا التي جعلت تركيا، إلى جانب روسيا وإيران، دولةً ضامنة، وأخيرًا اتفاق منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس 400) التي تُعدّ منافسةً لمنظومات “الناتو”، ويبدو أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أدرك أن إهمال المصلحة التركية يدفع تركيا نحو التنبه إلى ضرورة تنويع أواصر تعاونها العسكري والدبلوماسي والاقتصادي، وبالتالي يُميل كفة الميزان لصالح روسيا.

4 – الغالبية العربية لمنبج ومحيطها:

تعي الولايات المتحدة أن اتجاهها نحو بناء معادلة استقرار أمنية وإدارية، في مناطق نفوذها في سورية، بحاجة إلى تطبيق معادلة ديمقراطية حقيقية، وبما أن منبج ذات غالبية عربية، كان لا بد من التوافق مع تركيا الداعمة لعدد من المجالس الإدارية العربية، وصاحبة النفوذ الدبلوماسي الكبير عليهم، لتأسيس قاعدة استقرار مدنيّة راسخة في منبج، والمناطق العربية الأخرى التي تقع تحت السيطرة الأميركية المباشرة أو غير المباشرة، فالمجتمعات المذكورة تُشارك تركيا في البنية النفسية والثقافية والاجتماعية، وبالتالي تجعل منها، أي تركيا، جسرًا يصل بينها وبين الولايات المتحدة على المدى الطويل، لا سيّما في ظل وجود احتمال بنشوب اقتتال بين المواطنين والقوات الكردية، في حال استمرار سيطرتها على هذه المناطق.

في ما يتعلق بالسيناريوهات المُتوقعة للتحرك الأميركي-التركي المستقبلي، بوضع العوامل الماثلة أعلاه بعين الاعتبار، يبدو أن سيناريو استمرار الطرفين في التعاون أكثر رجوحًا، من سيناريو العودة إلى مربع فقدان الثقة من جديد، نظرًا إلى العوامل المذكورة أعلاه، إضافة إلى الإرادة السياسية التي يتمتع بها الطرفان، في ضوء محاولتهما تحقيق استفادة مشتركة في سورية، لا سيما ضد النفوذ الإيراني، ولصالح بناء ميزان قوى يضمن نفوذهما في سورية، وبذلك يُتوقع أن تشمل المرحلة القادمة تل أبيض، وغيرها من البلدات التابعة للرقة ذات الغالبية العربية، وإن لم يتم تطبيق سيناريو انتشار القوات في منبج؛ فقد يكون هناك سيناريو دفع المجالس المحلية المدعومة من قبل تركيا إلى ضرب القوات الكردية من أسفل الجدران؛ ما يثير بلبلة في تلك المناطق، كما يمكن لتركيا الميل أكثر لروسيا، وهذان الأمران اللذان تريد الولايات المتحدة تجنبهما.

في الختام، يبدو أن الولايات المتحدة باتت بحاجة إلى تركيا؛ بهدف تسيير مصالحها في المنطقة، لا سيما سورية، وهذا ما يجعلها تقدّم لها سيناريو الانتشار المشترك في منبج، كورقة تقربها منها، من أجل بدء تحقيق سيناريوهات تعاون أكبر في المستقبل.

مقالات ذات صلة

إغلاق