كلمة جيرون

المثقف البرميل

اليوم، يتم اضطهاد واستلاب الفن والثقافة، أكثر من أي وقتٍ مضى من عمر الاستبداد في سورية، وأكثر من أي مكان جُندت فيه الثقافة لخدمة السياسة! اليوم، يُجبر الفنان والمفكر واﻷديب واﻹعلامي والسينمائي.. على الكذب والبهتان، وتزوير الحقائق وقلبها، لتصبح متسقة مع الخطاب العقائدي الرسمي، وليتحول إلى بوق من أبواق الحرب، وبرميل من براميلها الفتاكة الغبية.

كم من مفكر وفنان تحوّل -عن طيب خاطر- إلى برميل بارود وحديد، أو قذيفة كيمياوية، وراح يفاخر بأنه يحمي سورية، ويدافع عن أهلها الباقين فيها! وكم من مسرحية وفيلم ومسلسل وقصيدة، تم إلقاؤها، ليس بواسطة الطائرات، بل من فوق ما تبقى من منابر ثقافية وفكرية مدمّرة، أو محاطة بالدمار والقتل.

لقد دمروا البلاد وشردوا سكانها، ثم ادّعوا أن الإرهابيين القتلة هم من فعل ذلك! وطرحوا شعارات بائسة، هي هي شعارات “المقاومة والممانعة”، تلك التي لم يكن يصدقها أحد، وهي التي ضحكوا بها على الشعب السوري، خلال نصف قرن من حكمهم المتخلف، وكان باستطاعتهم أن يحوّلوا سورية “المتخلفة” إلى بلدٍ متطور ورقم صعب؛ لو أنهم كانوا يملكون الحد اﻷدنى من الضمير اﻹنساني والمسؤولية الوطنية. فالسوريون أذكياء كادحون بطبعهم، منفتحون على العالم، وأصحاب حضارة وتاريخ عريق، يعيشون في بقعة من الأرض غنية بمواردها وتنوعها البيئي والجغرافي والديموغرافي.. لذلك تحدث كثير من الباحثين عن عبقرية المكان في سورية. لكن “ثورة البعث” 1963 حوّلتها، خلال نصف قرن، إلى مزرعة خاصة، أو حظيرة لقطيع..

إذا كان السياسي أو رجل الحكم، أقدر الناس على فقدان الضمير والحس الوطني، وأقدر الناس على تبرير ما يفعل، بما يملكه من أدوات ضبط وتوجيه، وشعارات براقة، مثل: حماية المصلحة الوطنية العليا، والمقاومة، ومعاداة الإمبريالية والصهيونية، والتي لا تعني في جوهرها غير محافظة الطاغية على كرسي السلطة والثروة، لا أكثر ولا أقل؛ فهل يستطيع المثفف أو الفنان أن يفعل ذلك، وهو لا يملك كرسيًا ولا سلطة حكم ولا ثروة؟ هل يجوز أن يكون المثقف أو المبدع رِجلًا رابعة لكرسي الحكم، أو بوقًا أبله للكذب، تحت شعار الرأي وحرية الرأي، وهو -في جوهره- ليس أكثر من زبون أو أداة أو عبد للسلطة ونزواتها؟! وهل ثمة رأي لمن قبِل أن يكون عبدًا لأي سلطة كانت، أو لما تتركه له من فتات الثروة والجاه؟!

لا أدري إن كان ما قاله لينين صحيحًا: “المثقفون أكثر الناس قدرة على الخيانة، ﻷنهم أكثر قدرة على تبريرها”! قد يستوي اﻷمر إذا أضفنا: مثقفو السلطة أكثر الناس قدرة على الخيانة، ﻷنهم في اﻷصل خونة، فالكثير من المثقفين الحقيقيين حافظوا على عهدهم، عهد الثقافة الإنسانية والوطنية، وقد تعامل لينين نفسه، مع الكثير من المثقفين والفنانين والمفكرين الشرفاء، لم يكن كارل ماركس أو فردريك إنجلز أولهم، ولم يكن آخرهم زينوفيف وكامينيف وراديك وأنتونوف أوفسينكو، والمخرج المسرحي فسيفولد ميرخولد، وغيرهم ممن تمّ إعدامهم كلهم على يد الطاغية جوزيف ستالين، في ثلاثينيات القرن الماضي، ناهيك عن ليون تروتسكي الذي لحق به أحد عملاء ستالين إلى المكسيك، واغتاله في بيته، بواسطة فأس فولاذي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق