مجتمع مدني أم مجموعات مدنية؟

ما زال الجدل قائمًا بين السوريين، حول المجتمع المدني وتاريخه ودوره؛ فمِن قائل إنه وُجد في ظل نظامٍ غير ديمقراطي مستمر منذ خمسة عقود، إلى مشكك في هذا الوجود حتى يومنا هذا. وللبحث بإنصاف في المفهوم ونشأته؛ يجب أن نتذكر أنه مفهومٌ غربي حديثٌ، وبالتالي لا ضير من تسميته في سابق الزمان بالمجتمع الأهلي، وإن كان لهذه التسمية حساسية معينة ترتبط بمجالات النشاط والحركة.

مع ذلك، فقد عرفت سنوات الانتداب الفرنسي على سورية بشائرَ التجمع على أسس غير دينية أو طائفية أو عشائرية، حول موضوع ثقافي أو خيري أو مجتمعي ما؛ وقد أسس هذا لنشوء الأحزاب السياسية فيما بعد. وهذا يعني أن للخلط بين العمل المدني والعمل السياسي، جذورَه في تاريخ سورية الحديث.

وسرعان ما أُجهضَت التجارب الجنينية لنشوء المجتمع المدني، كما سواها من عقدٍ اجتماعي إلى الدولة/ الأمة، مع بدء تدمير الحياة المدنية والسياسية، عبر تأميم مجالات نشاطاتها وحصرها بصيغٍ “تقدمية” مشوّهة. وإن اتسمت فترة البعث الأولى بـ “السذاجة السياسية”، فإن النتيجة السلبية والمدمّرة للقوى المجتمعية والسياسية كانت واضحة. وهنا يصح القول إن ذاك السحاب المليء بالعقائد المشوّهة جاء بهذا المطر الأمنوقراطي الذي نعيشه أو نكاد نموته.

وعلى ذلك؛ يصحّ القول إن المجتمع المدني الجنيني قد أُجهِضَ بدايةً مع “الوحدة” السورية المصرية، التي كان من شروطها المصرية أن يُقضى على الأحزاب والصُحف والمجتمع المدني. ولم ينجح إنعاش هذا الجنين في مرحلة الانفصال التي كانت قصيرة الأمد، وبالكاد نفضت المنظمات الجنينية غبار أجهزة الأمن المؤسِّسة لنظام أمني معقّد ومتشابك، دفع ويدفع السوريون الثمن الباهظ لهيمنته المستدامة.

فور الانقلاب على البعث “الساذج” -مع أن الأبحاث الأخيرة تكشف سذاجة اعتبار أنه كان “ساذجًا” إلى هذه الدرجة- ترسّخ شعورٌ لدى الحكام الجدد بأن أعداءهم البنيويين هم، إضافة إلى عموم الشعب بالطبع، الجيشُ النظامي والمجتمع المدني والحزب الحاكم! فهم أتوا من الجيش الطامح إلى السلطة أساسًا هذا، والحزب الانقلابي في دستوره المكتوب ذاك، وهم غرباء عقيدةً وهدفًا عن مفهوم المجتمع المدني حتمًا، فلا مناص من المحافظة على مصادرة مساحاته، والتضييق على أي محاولة لولادة جديدة.

وبعيدًا عن الخوض في ماهية القضاء على مؤسستي الجيش والحزب، لحاجة كل منهما إلى وقفة متعمّقة، فقد كانت التجربة الكورية الشمالية نبراسًا في كيفية تأطير المجتمع، بكافة فئاته العمرية ومكوناته الوظيفية وقطاعاته الإنتاجية ومجموعاته المهنية وتركيبته الجنسوية؛ فتعزّز دورُ المنظمات التي أقامها البعث الأول في أوساط الشبيبة والمهن، وأضيفت إليها منظمات أكثر هيمنة في كافة المستويات والقطاعات والأعمار؛ فصار هذا هو المجتمع “المدني” السوري شديد الأمن والأمان، وتم حصر العمل غير المهيمن عليه بشدة، في النشاط الخيري المرتبط بالمجموعات الدينية، كما تم تعزيز دور زعماء العشائر، لكي يتم ليس فقط إجهاض الجنين بل العودة به إلى حيث أتى، والمجيء بالأهلي الأقل “زعزعة” لاستقرار “الوطن”، وهو الذي لا تسهم نشاطاته في “وهن عزيمة الأمة”.

حلّ التحديث والتطوير، فبدا لمنظّريه أنه يجب السطو على لغة محكي بها، في الأوساط الغربية المانحة خصوصًا بعد اتفاقية برشلونة 1995، فعُمِدَ إلى اختراع مجتمعٍ مدنيٍ على القياس، لدرجة أنه كان أشد حكومية مما يمكن أن تكون عليه حتى “منظمات الديمقراطية الشعبية” آنفة الذكر. وابْتُدِعَت منظماتٌ غير حكومية شديدة الحكومية، وارتبطت بمراكز السلطة، كما ارتبطت أيضًا بالآلة الأمنوقراطية دون أي وجل.

انخرط عدد كبير من العطشى للعمل المدني بصدق، في العمل بإخلاص في هذه المنظمات، وأنجزوا بعضًا من المشاريع في المجالات التنموية والثقافية، التي لا يمكن رميها في سلة القمامة. بالمقابل، تم الحجر على أي توعية مواطنية أو حقوقية أو رقابية على عمل المؤسسات الحكومية، كما هو جزء مما يُناط بالمجتمع المدني الحقيقي. وتلقت هذه المنظمات الدعم الغربي الأساسي الذي كان يحلو للمانحين أن يصفوه بـ “تعزيز قدرات” المجتمع المدني.

غداة الانتفاضة السورية؛ تبيّن أن المصطلح ما زال غامض التعريف، وما زال بعض المخلصين يعتقدون بإمكانية وجود ما يسمى بمجتمع مدني في الداخل السوري، في حين أنه ربما توجد هناك مجموعات مدنية تسعى، في إطار الممكن، لأن تصبح -فعليًا- مجتمعًا مدنيًا فاعلًا، إلا أنها لن تتمكن من ذلك، في ظل غياب الديمقراطية؛ إذ لا مجتمع مدنيًا من دون ديمقراطية.